ان نص ” أمواج كالجبال “1 ، جاء في مجموعة ” مصاطب الآلهة ” التي صدرت عن دار أزمنة عام 1996م ، تحت مسمى قصص ، وكان نص ” أمواج كالجبال ” هو النص الأخير في المجموعة أي الثامن ، لذا قبل أن اتناوله، سأعرج على العنوان ، وابين مدى قرب او تطابق عنوان النص أو عدم وجود صلة نهائيا مع ما جاء ، ففي آية 42 من سورة هود ، تقول الآية ” وهي تجري بهمْ في موجٍ كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزلٍ يا بني اركب معنا ولاتكن مع الكافرين” . ولولا عبارة ” أمواج كالجبال ” التي وضعت كعنوان للنص ، لما كان اتيت على ذكرها , لأن عند قرأتنا للنص الظاهر لا نعثر على أي شيء يشير الى ذلك ، ولكن ربما اذا أولنا الجمل نعثر على شيء ما . لأن ” التمثيل الفني ( الاستطيقي ) لا يقدم صورة مشابهة لما يمثل ، بل صورة بديلة عنه . بكلمة أخرى ، هناك فرق بين الواقع وما يمثله “2 . واحياناً العبارة ذاتها ولكن معناها مختلف كما قلت .
السياق التخييلي والشخصيات
وقصيدة القاص لا تتوضح الا بعد ان نفكك النص لكي نقوم بفهمه وتأويله .ومنذ البداية يبين لنا السارد ، ان هنالك شخص يتكلم عنه ، الذي هو قريب من الموت ، تعبان ، يتملكه شعور طاغي بالاغتراب وهو وسط اهله واصدقائه ، بهذه الصورة يرسم لنا السارد هذا الإنسان : ” بينه وبين الموت خطوة فهو مضني القلب / متعب / هدّه السفر والترحال والاغتراب وسط اهله / غير أن المسافات تقصر / والأزمنة تتداخل / وها هو يطأ الأرض ويبلغ مدينته النائمة منذ عشرين قرناً في حضن النهر / والنهر مسافر – ص627 والبعض قد يتسأل لماذا هو بهذه الحالة ، ورغم ذلك الا ان النهر دائما يعود ، لذا اطلق عليه النهر الامير رغم مائه الخابط واسماكه العمياء ، نعم اطلق عليه ” النهر الامير ” من قبل الناس بكل رضى وبكل محبة .
وكذلك يطلق على هذا الشخص المتداعي الغريب وسط اهله ” سيد الكلام ” ، وهذا الاسم يطلق عليه من قبل رسول أرابخا ، أي رسول مدينة كركوك ، حينما يسأله ” لا تخف إني أسألك عن البلاغة ؟ ما البلاغة يا سيد الكلام ؟ ! – ص 629″ . هل هذا السؤال تأكيد أم تأكيد مكرر ، لأن سيد الكلام هو سيد البلاغة كلها ، وهو سيد الفصاحة كله ، وسيد الكلام هذا ” في كل ليلة رأس سنة بابلية / ألتقيا / كان لقاؤها الأول على اطراف مدينة شرقاط عند انحناءة بحر دجلة / اختفيا تحت صخرة معلقة في مغارة / امتدت أصابعه المرتعشة المسكونة بخوف القرون والأزمنة الحمراء المتراكم / يمتزج الخوف بالشبق فيرتجف الرجل / لمس نهديها فانتفضا بعنف / كانت ترتجف من البرد والخوف والشهوة / وكانا يدوران معاً ، الأرض ومع الشهوة العنيفة والخوف والبرد ، ومع ذلك نزع حزامه وخلعت ثوبها وأعطيا وجهيهما للنار – ص 630″ . أن هذا المقطع يمنحنا الكثير من التأويلات ، ويمنحنا الكثير من الحبكات التي نستخلصها من موقف تخييلي أو تاريخي ، مع مقاربة واقعة بين المتخيل والتاريخي ، تستظل تحت واقع بين بين ، بوصفه متخيلاً ، لأن الأدب كان على الدوام يُبدع أو ينتج شيئاً ما .
من هو المهاجر ، المهاجر رجلاً من اهل أفرايم بالعبرية وابراهيم بالعربية ، ” قاصداً بيت المقدس أو بيت لحم وكان معه خليلته وغلامه / والطريق بين مصبات نهر الاردن الى الربع الخالي طويلة والرذاذ شحيح ومر ، والليل مدلهم والبلقع يمتد مثل سماوات رخوة ، والأعداء يحيطون الرجل المهاجر في مرتكنه – لدي النبي – بليعال / يطلبون الغلام ويرفضون الخليلة / البس الخليلة زي الغلام فقضوا ليلتهم يمزجون الماء بالصلصال حتى خرجت منها روحها قبل انبلاج الفجر / – ص 634 ” . الأعداء جماعة بليعال يريدون الغلام ، لذا عرض المستضيف اللاوي على الرجال اغتصاب ابنته العذراء والخليلة ، ولكن بعدما رفض الرجال قام الكاهن باخرج خليلته أو سريته لهم ، فاغتصبوها طوال الليل حتى الفجر ( قض19 : 25 ) وفي الصباح وجدها اللاوي ميتة على العتبة ، فقام بتقطيع أوصال جسدها الى اثني عشرة قطعة ( على عدد الأسباط ) “وَأَرْسَلَهَا إِلَى جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ” (قض 19: 29)، وذلك ليثير حَفيظَة كل سكان فلسطين للانتقام من سكان جبعة بنيامين (قض 20: 1-48). وبليعال تتكون من كلمتين بلي – عال ، ظهرت في القرن الاول الميلادي ، تم استخدام كلمة Belial بليعال . كاسم للشيطان ورمز للشر والباطل .
وفي نص ” امواج كالجبال ” نعثر على القصة الدينية – الاسطورية ، ما بين الملك عاموس والعجل ، وان ثور السامري هو ليس الثور ابيس المصري ، كان ابيس في الميثولوجيا المصرية الفرعونية القديمة ، الثور المقدس أو الرب الثور لمدينة ممفيس ، وكان يرمز للخصوبة ، واعتبره قدماء المصريين روح الاله بتاح ، لهذا كان يتوج بوضع قرص الشمس بين قرنيه . ولهذا اليوم ظل لغز العجل المعبود الذهبي ، ما بين اليهود الذين يقولون ان من صنعه هو هارون شقيق النبي موسى ، وبين القرآن الذي يبري هارون ، والمفسرون يؤكدون : ان السامري تحدى الجميع . واستغل الذهب المسروق من نساء المصريين ليلة خروج بني اسرائيل من مصر ، وتوجد أقوال أن العجل ليس لأبيس بل هو (بعل) الإله الكنعاني، أو (حتحور) البقرة المصرية المقدسة، لكن هذا مردود، فكل أخبار العجل تقول أنه (ثور أو عجل) ليس (بقرة) وكذلك فبعل كان إلها كنعانيا يمثل وجهة نظر وثنية ثار عليها اليهود الأوائل، كذلك فطبيعة أبيس تقول أنها تطورت من صورتها المصرية لصورة أخرى عبرانية ظلت سائدة في المملكة الشمالية لإسرائيل بعد سليمان، بينما هذه الصورة اختفت عند مملكة يهوذا الجنوبية واستبدلوها بالملائكة، ففي الشمال يركب بعل الثيران والعجول.. بينما في الجنوب يركب يهوه الملائكة الذين ين يسمون (بالكروبيم).
ومن أهم الأنبياء كان عاموس أولَ من أخذ على عاتقه مهمةَ تبرئةِ يهوه من نقض عهده مع إسرائيل. وقد عاش في السنوات الأخيرة لحكم الملك الإسرائيلي يربعام بن يوآش الذي حكم من ٧٩٣ إلى ٧٨٣ قبل الميلاد، وكان عاموس من قريةِ تقوع الواقعة جنوبي بيت لحم في مملكة يهوذا الجنوبية. ينظر عاموس حوله فيجد الأغنياء يمرحون في بذَخ وتَرَف وذَهَب وخَمْر، وكان بإمكانهم تقديم القرابين ليهوه ليرضى، بينما الفقراء في ضنكٍ شديد ولا يملكون حق القربان لتقديمه ليهوه لينظر إليهم وإلى مشاكلهم، ومن هنا يقف عاموس يُعلِن وحي يهوه إذ يقول: بغضت، كرهت أعيادكم، ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدَّمتم لي محرقاتكم لا أرتضي، وذبائح السلامة من مُسمَّناتكم لا ألتفت إليها، أبعد عني ضجة أغانيك، ونغمة ربابك لا أسمع.(عاموس، ٥: ٢١–٢٣) .لقد بدأ الحس بالفوارق الاجتماعية يتضح ويعلو زمن عاموس الذي أعلن أن يهوه لم يعد يرضى بالثيران السمينة والعزف في معبده، إنه يريد الآن العدل. وبالفعل تتحقق نبوءات عاموس، ويهبط الآشوريون بجيوشهم على مملكة إسرائيل، ويَسْبون أهلها وبخاصة الطبقة المترفة منهم، واحتل سرجون الثاني الآشوري إسرائيل بعد أن نهبها، لكنَّنا بقَدْر من التدقيق في مصادر التاريخ نكتشف ” أن عاموس لم يكن بحاجةٍ لِوَحيِ يهوه لكي يُدرِك أن الخطر الآشوري قد بات على أبواب السامرة “، خاصةً بعد اتجاهِ جيوشِ تجلات بلاسر الثالث الآشوري جنوبًا، وتهجيره أينما حل وفتح للنخبة من البلاد المفتوحة إلى آشور . ” في مصر دخلوا جسد – أبيس – واحتموا بقدسيته المقدسة ، لكن ليس العجل الذي صنعه اسرائيل من الحلي المسروقة أو المقترضة من نساء إمبابة وممفيس / انما العجل الاحمر / أبيس التاريخ القومي الذي نحره الملك عاموس بساطور فينيقيا المرعب / عاموس لم يمد الى لحم العجل فهو مولع بلحم النساء – ص 632 ” . وما بين لحم النساء ولحم العجل تتم الصفقة مع الاله . ولأن ” الأفخاذ الطرية المكشوفة بمهارة ، وكان الرب قد اصطفاها ليوحي بمجانية اللحوم الباردة التي عافها السلاجقة والثقفيون ، وابتدأت في النهوض قبل بدء الزمان وكانت الهجرة – 633 ” .
ونرى ان القصة نفسها في الكتب الدينية – التاريخية – الاسطورية ، وفي الرؤية المطروحة من قبل القاص محمود جنداري ، أي أن دلالاتها متطابقة في الاشتغال ، الا في وجود بعض الاختلافات للضرورة الفنية القصصية والعمل على تعميق المخيلة ، ولكن المتخيل يعمل على الخروج عن النفس من النفس من خلال صدمة الاستغراب أو الدهشة التي تتكون عند تحويل العادي الى غرائبي ، أي أن المتخيل يمثل القدرة على الابداع والتأويل من خلال نقل العادي الى غير عادي . ولأن المتخيل الأدبي يعتبر شكل من اشكال اللعب ، لذا ينبري ما وراء القص لتبيان التالي ” أن اللعب نشاط مستقل نسبياً ولكنه يمتلك قيمة محددة في العالم الواقعي . إن اللعب يجري تيسيره عبر القواعد والأدوار ، وتعمل ما وراء القص على استجلاء القواعد الخيالية من اجل اكتشاف دور المتخيلات في الحياة . إنها تهدف الى اكتشاف كيف ’ يلعب ‘ كل منا واقعه الخاص “4 .
التأويل الأدبي والمحاكاة
المعايير الادبية للمحاكاة الساخرة
وهنا عند قراءة ما وراء القص ” تصبح المعايير الادبية موضوع المحاكاة الساخرة ، يصبح القارىء على وعي بعلاقة النظامين التاريخي والثقافي بالنظام الأدبي . إن المحاكاة الساخرة لمعيار أو نمط أدبي سابق تعري حتماً علاقة ذلك المعيار بسياقه التاريخي الأصلي ، من خلال كسر مألوفية التنسيق ضمن حاضر تاريخي تغيرت معاييره الأدبية والاجتماعية ، تعدل محاكاة شكل أدبي العلاقة بين المواضعة الادبية والمعايير الثقافية والتاريخية ، محدثة تحولاً في مجمل نظام العلاقات ” 3.
في مجموعة ” مصاطب الآلهة ” ، يعمل محمود جنداري على اجبار القارىء ان يذهب الى التأويل أو الى اقصى التأويل ، ولكن بعيداً عن تأويل سوزان سونتاج الذي حولته الى ظلال معاني متموجة ، ” وإذا لم يُنظر الى التأويل على أنه شيء يٌجري عل التخييل ، بل بالأحرى على أنه شيء يجري في التخييل ، يصبح ، عندئذ ، موقف مناهضة التأويل موقفاً يتعذر الدفاع عنه “5 ، فإن التأويل هنا مرادف للخيال .
” غضب أسامة واحتج / لماذا لا تسألون علياً والزبير والب راء فيهم فقهاؤكم أصحاب عبد الله بن مسعود؟ / هم خالعو الدنيا والزاهدون فيها / أبو الدرداء وعثمان بن مظعون / لماذا لا تسألون بن مظعون ؟ سيد الكلام وسيد الرمل والجوع والقتال ؟ – ص 634 ” . وبعد اسطر معدودة ، نقرأ شيئاً أخر ، نقرأ اضداد متكافئة ، ظاهرياً ، ولكنها متوحدة باطنياً ، مما يعني ان هذه المتناقضات تجتمع في اللحظة ذاتها وتختلف في اللحظة ذاتها ايضاً : ” أسرت الملكة – نابوناهيد – الجميلة القاسية / الهادئة / المفرطة في الاناقة والحب / خسرت المعركة ولكنها لم تخسر الحياة فراحت تهوّي نهديها المشرئبين على صدى حمحمة خيل الفرسان وصليل سيوفهم وبكاء احواضهم المزدحمة بالمياه العنيفة ، ثم تسترخي على نقر اصابع رجولية ماهرة تمسد لها جلدها الناعم ، وتدهنه بزيت الخروع المعطر ولبان الزهر / وفي ركن من أركان المملكة عند مشتل من الآس في عربايا أو المدائن /عند شارع الموكب أو تحت قدمي الأسد الجاثم في ذلك الركن ،يغمي عليها بين ساعة وساعة من فرط اللذة – ص 35 ” .
اخيراً ، اقول ان السرد – السحر في الاسطر الأخيرة من نص ” أمواج كالجبال ” ، وقفت امامه طويلاً ، وقمت بالدخول اليه بكل محبة وعذوبة ، لكي اكون بالقرب من قائله وبالقرب من معانيه وتحولاته الوجودية : إنها مني أنا الألم والزمن المغترب من المتجهمة نحو الموت والخراب الذي يقرض الدم النازف بلا تقوى : اجلس الآن عند استواء الأرض . في معبد جبل المرايا الشبيه بالدرك الأسفل وفي باطن الأروح يتحوّل الجحيم الى فردوس / وبين الجحيم والفردوس ثمة خوازيق اجلس على أحدها مدهوناً بالزيت وشحم البقر والأرواح تنتقل يقظة متحفزة هنا وهناك / سيدة الأرواح ، روحي وانا رفيق اصدقاء الضياع الرافدين في بحيرات الدم ينتظرون اليه الخمر أن تأتيهم بشيء يبللون به حلوقهم الجافة / أنا شقيق إله الكتابة الأعمى واقرب حوارييه ، أبحث في عينيه عن نور النسيان أو مدخل غرق منه لملاقاة الرجل الطيب شقيق اوتونابشتم الكريم الذي أودته المياه والطمي / أنا صاحبكم في الاهواز الذي البستموه جلد النمر وتجاهلتم موقعي منها ، دنياكم هذه التي اختفت عني نقاء أطرافها / أنا صاحبكم الظاهر بيبرس أو الظاهر محمود ، خطورة بخطورة ، فلا تجعلوا الأمر يتفاقم ولا تدخلوا في الغلو مع البهاليل الذين لا وطن لهم ، انني واياكم امام ابواب مدينة الله .. وآخر المدن نبحث في آخر النقوش في طابوقها لأصفر عن زمان قيام – حلبايا – ودمشق وعربايا . إنني أنتظر على جبل هوريب قنديلاً ينزل من سماء الدخان يضيء لي مكاني في زاويتي هذه ، لأرى ماذا اكتب ، وماذا ستفعلون بهذه الخيمة الخضراء التي تحجب الشمس عند استواء الأرض .. ص 641.
الهوامش والاحالات
1- محمود جنداري – الاعمال الكاملة ، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق / سوريا ، 2018م . جميع الاقتباسات التي في الدراسة مأخوذة من كتاب الاعمال الكاملة ، لذا سوف اشير الى رقم الصفحة فقط .
2- ليندا هَتْشيون – سياسة ما بعد الحداثية ، ترجمة : د . حيدر حاج اسماعيل ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت / لبنان ، 2009م ، ص 52 .
3- باتريشيا وُوه – الميتافكشن : المتخيل السردي الوعي بذاته : النظرية والممارسة ، ترجمة : السيد إمام ، دار شهريار ، البصرة / العراق ، 2018م ، ص 84 .
4- م . ن . ص 47 .
5- تحرير: سوزان روبين سليمان و انجي كروسمان ، القارىء في النص : مقالات في الجمهور والتأويل ، ترجمة : د حسن ناظم و علي حاكم صالح ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، طرابلس/ ليبيا ، 2007م ، ص 198.
نشرت في ملحق اوروك الأدبي العدد (108) الثلاثاء 25حزيران 2024م الجريدة المركزية لوزارة الثقافة والسياحة والآثار


