لقد أدانوا أنفسهم وأزالوا أقنعتهم.
*حزب الله لم يكن يوماً ساذجاً في قراءة المشهد اللبناني والإقليمي. هو كان يعرف جيداً أنّ معظم تحالفاته ظرفية من طرف الآخرين، علاقات كانت قائمة على إنجاح المصالح لا أكثر، وأنّ حلفاءه يعرفون كيف يقطفون من رصيده الشعبي والسياسي ما يخدمهم، ثم يرحلون ساعة تتغير الرياح. ومع ذلك، صبر الحزب، وقدّم التضحيات، وحمل عفانتهم وأثقالهم، ووقف إلى جانبهم في كل معركة ومفصل.
*ليس صحيحاً أن الحزب لم يُحسِن إختيار الحلفاء! إنما الصحيح كانوا واقع مفروضين عليه كلبنانيين شركاء في الوطن. وعلى مقولة من الموجود جوود بنى الحزب تحالفاته وحاول نشر الوعي الوطني والتعلق بالقضيه الفلسطينية.
لكن الذي حدث بعد أن اشتدت الأزمات واشتعلت الساحات؟ كثيرون ممن تغذّوا من دم المقاومة، وارتفعوا على أكتافها، غدروا بها عند أول مفترق طريق.
ورقة مار مخايل: حزب الله كان يعرف أنّ عمرها قصير، لكنه استثمرها حتى آخر قطرة موقف، وأعطاها أكثر مما أخذ منها. لم يخرج هو منها ولم يكن المبادر بالمغادرة، بل تُرك وحيداً أمام السكاكين التي طالبت بتجريده من سلاحه وانقلب باسيل عليه.
*وليد جنبلاط الرجل الذي يُتقن فنّ القفز من مركب إلى آخر. أحرق تذكاراته مع سماحة السيد قبل أن يغادر الجيش السوري لبنان، وركب الموجة الغربية باكراً، ليصبح رأس حربة في الطعن بالمقاومة والتشكيك بخياراتها.
فيصل كرامي ووليد البعريني المنسيين في لبنان وخارجه غادرا قاعة الشرف النقاوم بهدوء، بلا ضجيج ولا اعتذار ولا توضيح أسباب ولا وداع. أوصدا الأبواب خلفهما وكأنّهما لم يكونا يوماً في خندق واحد مع المقاومة فلا أسفاً عليهما.
*وئام وهاب المتمرّس والعارف بلعبة التموضع ابتعد عن الثنائي بسبب دور البعض في الإنتخابات النيابية الماضيه لكنه حافظ على الخبز والملح، ولعب دور “الناصح” للآخرين من خصوم المقاومة بصدق ونصحهم أن لا يحاصروا النمر الجريح ،فيما بقي سياسياً يترنح على الحبل العربي، بين المقاومة من جهة والموقف العربي الآخر من جهة أخرى،.
*المير طلال أرسلان الصديق والحليف لم يعادِي المقاومة لكنه أيضاً لم يساندها كما يجب. اكتفى بالصمت، وحضر في مواقفه السياسيه في محطات بسيطة، وكأنّ وجود المقاومة لا يعنيه إلا حين تقتضي الضرورة وهذا أمر يثير الريبة.
*الوزير حسن مراد آخر الراحلين. شدّ الرحال نحو دار الفتوى والرياض، حفاظاً على مصالحه الخاصة، الجامعات والمشاريع. ترك المقاومة خلفه بلا التفاتة، وكأنها لم تحتضنه يوماً أو تدعمه يوماً او لم تكن سنداً لوالده.
*كل هؤلاء عرفهم الحزب جيداً. عرف جشعهم، وعرف أنّهم سيتقلبون مع الرياح، لكنه صبر عليهم ودعمهم، وضحّى من أجلهم، وهو يعلم أنّ النهاية ستكون طعنات في الظهر. واليوم، 90% من حلفائه السابقين صاروا ضده، انضموا إلى جوقة المطالبين بتجريد المقاومة من سلاحها، ووقفوا في صف الأعداء. ومع ذلك، لم يضعف حزب الله. لم ينكسر أمام خيانة الحلفاء وتكويعهم، ولم يرتجف أمام حصار الأعداء. ما زال واقفاً، سلاحه مشرّع، وعيونه نحو الجنوب حيث العدو الحقيقي. هؤلاء المتلونون يذهبون ويجيئون، يتبدّلون مع الموجة، لكن المقاومة تبقى هي الثابت الوحيد، عمود هذا الوطن، وسيفه حين يُهدَّد.
ما بصح إلا الصحيح؟


