مقدمة
منذ تأسيسها عام 1948، تبنّت إسرائيل رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على مبدأ إضعاف الخصوم عبر تفتيت جبهاتهم الداخلية، مع تجنّب الدخول في مواجهات شاملة إذا كان بالإمكان تحقيق الأهداف بوسائل غير مباشرة. هذه السياسة لم تقتصر على الدول العربية والإسلامية فحسب، بل امتدت إلى التأثير على القرار الأمريكي والأوروبي، لضمان بيئة دولية داعمة لأجندتها الأمنية والسياسية.
أولاً: مراحل تطور الاستراتيجية الإسرائيلية
- مرحلة ما قبل التسعينيات – ترسيخ الكيان وحشد الدعم الغربي
التركيز على كسب الشرعية الدولية واستقطاب الدعم العسكري والسياسي من الولايات المتحدة وأوروبا.
استثمار الانقسامات العربية (مثل الخلاف المصري–السوري قبل حرب 1967) لتعزيز تفوقها الإقليمي.
- مرحلة ما بعد الحرب الباردة – استثمار الفراغ الإقليمي
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استغلّت إسرائيل ضعف بعض الأنظمة العربية، ودعمت مبدأ “السلام مقابل التطبيع” مع الحفاظ على تفوقها العسكري.
تعزيز العلاقات مع واشنطن كحليف استراتيجي أوّل، والتأثير على سياساتها في الشرق الأوسط.
- مرحلة ما بعد 2003 – الفوضى الخلّاقة وتفكيك الدول
استثمار الغزو الأمريكي للعراق لإضعافه عسكريًا وسياسيًا، وإذكاء الانقسامات الطائفية.
دعم مشاريع إعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم تفتيت القوى الإقليمية الكبرى.
- مرحلة ما بعد الربيع العربي – تعميق الانقسام العربي–العربي
توظيف الفوضى الأمنية لتوجيه الأنظار بعيدًا عن القضية الفلسطينية.
تشجيع النزاعات الإقليمية (مثل الأزمة الخليجية) لشلّ أي موقف عربي موحّد.
ثانياً: التحكم في القرار الأمريكي والأوروبي
تمكّنت إسرائيل عبر شبكة نفوذ سياسي وإعلامي من فرض أجندتها على الإدارات الأمريكية، حتى عندما تتعارض مع الموقف المعلن للرئيس الأمريكي.
مثال: الحرب التي استمرت 12 يومًا ضد إحدى الجبهات، رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم رغبته في مواجهة مع إيران، ما يعكس تغلغل القرار الإسرائيلي في صناعة السياسة الأمريكية.
على الصعيد الأوروبي، تكرّر المشهد في دعم مواقف إسرائيل، حتى في قضايا مثيرة للجدل مثل الاستيطان أو الحروب على غزة.
ثالثاً: استراتيجية تفتيت الخصوم العرب والمسلمين
التغذية المذهبية والفكرية: تحويل الخلافات الفكرية بين المذاهب والتيارات إلى صراعات وجودية.
إضعاف الموقف العربي تجاه فلسطين: مثال على ذلك الأزمة الخليجية (الإمارات والسعودية والبحرين ضد قطر)، التي أضعفت التنسيق العربي بشأن التطبيع.
استثمار الصراعات الداخلية: دفع القوى الإقليمية لاستهلاك مواردها في نزاعات جانبية بدلاً من مواجهة التهديد الإسرائيلي.
رابعاً: المحور المقاوم وإستراتيجية العزل
القوى المناهضة لإسرائيل (إيران، حزب الله، فصائل المقاومة الفلسطينية، أنصار الله) واجهت عزلاً ممنهجًا، بحيث تستنزف كل قوة في ساحة مختلفة.
اليمن شكّل استثناءً نسبيًا، إذ واصل أنصار الله إعلان دعمهم للقضية الفلسطينية عمليًا وإعلاميًا.
في المقابل، وجدت إيران نفسها في مراحل معينة في مواجهة إسرائيل دون دعم مباشر من الحلفاء، وهو ما أثّر على توازن الردع.
خامساً: البعد الدولي للصراع
إسرائيل لا تكتفي بالساحة الإقليمية، بل تدفع الولايات المتحدة نحو سياسات تضغط على روسيا والصين، ما يضعف أي قوى دولية قد تحدّ من الهيمنة الغربية–الإسرائيلية.
تُلبس هذه السياسات أحيانًا غطاءً اقتصاديًا (عقوبات، اتفاقيات تجارية) أو دبلوماسيًا (تحالفات استراتيجية)، لكنها تخدم الهدف ذاته: إبقاء الشرق الأوسط تحت السيطرة.
سادساً: الحالة العراقية كنموذج
في العراق، تم استثمار الانقسامات الطائفية والسياسية لإضعاف الدولة:
انقسام بين المكوّن السني والمكوّن الشيعي.
انقسام داخل البيت السياسي الشيعي نفسه، ما خلق فجوة بين القيادات والجمهور.
هذه الفجوة مثّلت ثغرة استراتيجية سهّلت التدخلات الإسرائيلية غير المباشرة.
خاتمة واستشراف
تُظهر تجارب العقود الماضية أن إسرائيل نجحت في تحويل أعدائها إلى جبهات متصارعة داخليًا، مع ضمان دعم أمريكي وأوروبي شبه مطلق.
ومع ذلك، بدأت تلوح مؤشرات على إعادة قراءة المشهد من قبل بعض القادة العرب، مثل تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المنددة بالاعتداءات الإسرائيلية، والتي قد تعكس إدراكًا أن استهداف إيران ليس سوى خطوة في مسار قد يشمل لاحقًا دولًا عربية رئيسية، بما فيها السعودية.
في السنوات القادمة، ستتوقف قدرة إسرائيل على الحفاظ على استراتيجيتها على عاملين أساسيين:
- استمرار الانقسامات العربية–الإسلامية.
- غياب تحالف دولي–إقليمي قادر على كسر المعادلة الحالية.


