سُجّلت، في الأيام الماضية، مواقف وتطوّرات تكشف عن طبيعة الاتجاه الجديد في السياسة الخارجية الأميركية. فإعتبار تصاعُد الضغوط الأميركية على إسرائيل لإنهاء الحرب في قطاع غزة، من أبرز مؤشرات التحوّل في مقاربة الولايات المتحدة للصراع، خصوصاً في مرحلة ما بعد المواجهة المشتركة، الإسرائيلية – الأميركية، ضدّ إيران. فواشنطن، التي كانت لا تزال، حتى وقت قريب، تدعم تلك الحرب، باتت تمارس ضغوطاً مكثّفة على تل أبيب لإيجاد مخرج عسكري – سياسي لها.
أمّا الهدف النهائي، فهو وضع أساس لتسوية شاملة، قد تكون صفقة الأسرى مدخلها الأول والرئيسيّ.
ترتيبات إقليمية جديدة محتملة
وترى الإدارة الأميركية أن المنطقة دخلت مرحلة مؤاتية يمكن وضع ترتيبات إقليمية جديدة بناءً عليها، عنوانها تعزيز الشراكات الأمنية والسياسية بين إسرائيل ودول الخليج، وفي مقدّمها السعودية. وفي ما لو تحقّقت هذه الشراكات، فلن تكون مجرّد خطوة في مسار التطبيع الدبلوماسي، بل ركيزة أساسية لمنظومة أمنية – سياسية إقليمية جديدة، تخدم المصالح الأميركية الطويلة الأمد، وتمنع الخصوم الإقليميين (إيران) من توسيع نفوذهم أو تحقيق مكاسب استراتيجية، وتغلق المنطقة أمام الخصوم الدوليين (الصين وروسيا).
لكنّ السؤال المركزي، هو ما إذا كانت تلك الضغوط ترقى فعلاً إلى مستوى التأثير الحقيقي على صاحب القرار الإسرائيلي، بما من شأنه أن يدفع تل أبيب نحو وقف الحرب، أم أنها تظلّ في إطار التمنّيات والاستراتيجيات الكلامية، من دون أن تتحوّل إلى آليات ضغط حقيقية.
وفي الأصل،هل تمتلك الولايات المتحدة مصلحة استراتيجية واضحة ومحدّدة في إنهاء الحرب الآن، تكفي لدفعها إلى تصعيد مستوى الضغط؟
ترامب ونتنياهو: شراكة مريبة
فقد سُجّلت في الأيام الماضية مواقف وتطوّرات تكشف عن طبيعة الاتجاه الجديد في السياسة الخارجية الأميركية؛ لعلّ أبرزها تلك الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب، والتي تعكس، بما تضمّنته من «غزل» واضح برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تبلور رؤية أميركية جديدة حول شخص الأخير، والدور الذي يُفترض أن يلعبه في المرحلة المقبلة وفيما لم يَعُد ترامب يكتفي بالضغط لإنهاء الحرب في قطاع غزة فقط، فإنه يربط هذا الهدف بمجموعة أوسع من الحسابات، تبدأ من الانتصار العسكري على إيران، وتمرّ عبر تكريم نتنياهو كزعيم حرب، وصولاً إلى الدعوة الصريحة إلى إلغاء محاكمته تماماً.
وفي سلسلة تصريحات متلاحقة، اعتبر ترامب، نتنياهو، «رجل الانتصارات» الذي قدّم لإسرائيل أكثر ممّا قدّمه أي زعيم إسرائيلي آخر، وأن «دوره كان محوريّاً في تحقيق اختراقات كبيرة في مجال الأمن الإسرائيلي، وكذلك الأمن الإقليمي، خصوصاً في ملف إيران النووي». كما اعتبر أن استمرار المحاكمة السياسية ضدّه لا تخدم استقرار إسرائيل وأمنها، فضلاً عن كونها تضرّ بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وهكذا، يَظهر مدى اهتمام ترامب بتحسين مقدّمات الترتيب الإقليمي الذي يسعى إليه، عبر رسم شرق أوسط جديد.
كذلك، أشار ترامب إلى أن الحرب في قطاع غزة على وشك الانتهاء، من دون أن يحدّد طبيعة الحلّ أو شكله، لكنه أعرب عن تفاؤله بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح. وتتقاطع هذه الإشارات مع تقارير إعلامية وتسريبات في تل أبيب وواشنطن، تؤكّد أن الأخيرة تعمل على بلورة صفقة شاملة تشمل تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، مع التركيز على مبدأ بات متوافقاً عليه لدى الجانبين: الخيار العسكري استنفد نفسه، والوقت حان للانتقال إلى المسار والحلّ السياسيَّيْن.
وإذا كانت تقديرات الجيش الإسرائيلي لم تَعُد ذات تأثير كبير في قرار تل أبيب، إلّا أن شأنها يبقى معتدّاً به على طاولة القرار السياسي.
حيث بدأ الجيش يرسل إشارات واضحة بأن المهمّة العسكرية في غزة أوشكت على الانتهاء، بل إن رئيس الأركان، إيال زامير، قال علناً إن الجيش على بعد أيام فقط من إعلان إتمام مهمته العسكرية.


