من كربلاء الى الأقصى .. الاشتياق الى الحزن قضية الحسين ع قضية كونية!

من كربلاء الى الأقصى .. الاشتياق الى الحزن قضية الحسين ع قضية كونية!
تحوّل الحدث في كربلاء إلى رمز يتجاوز الزمان والمكان. الجغرافيا والطبيعة، الطائفة والقومية، المذهب والدين ،اللغة والعمر والثقافة والحضارة. هذا يؤكد ان قضية الامام الحسين بن علي ع تعد ( قضية كونية). أولا من حيث القيمة: كونها تمثّل الصراع بين الظلم والعدل، بين الكفر والايمان، بين الاستبداد والحرية، بين الجهل والمعرفة....

تحوّل الحدث في كربلاء إلى رمز يتجاوز الزمان والمكان. الجغرافيا والطبيعة، الطائفة والقومية، المذهب والدين ،اللغة والعمر والثقافة والحضارة. هذا يؤكد ان قضية الامام الحسين بن علي ع تعد ( قضية كونية). أولا من حيث القيمة: كونها تمثّل الصراع بين الظلم والعدل، بين الكفر والايمان، بين الاستبداد والحرية، بين الجهل والمعرفة، بين الخوف والشجاعة، الخيانة والوفاء، الأنانية والإيثار، الطغيان والكرامة، القيد والانطلاق، الزيف والحقيقة، الغفلة والوعي بين الفناء والبقاء، هذه الثنائيات المهمة التي تحمل شحنة فلسفية ونضالية في صلب القضية. كما تعد القضية كونية من حيث النداء الأخلاقي: بهتافها المشهور “هيهات منا الذلة”، هذا الشعار ليس ظرفيا، بل يمثل موقف وجودي يمكن لأي إنسان حر أن يتبنّاه، هو نداء الاحرار في العالم. وكونية من حيث البنية الرمزية لها: فان مشهد قلة تواجه كثرة، والموت الذي يتحول إلى حياة في الذاكرة، وينتشر في قلوب الناس من مختلف اصقاع الأرض! يجعلها أقرب إلى أساطير الحرية العالمية (مثل مانديلا) لكن بطابع وقيمة خاصة جدا. بمعنى آخر، الحسين يمثل العدل لكل إنسان حر ضد انسان طاغية، وهذا ما يجعل قضيته كونية لا تُختزل في حدود الجغرافيا أو العقيدة. نعم، من الممكن جدا النظر إلى قضية الحسين على أنها قضية كونية إذا قرأناها في أفقها الإنساني العميق وفي سياقها التاريخي. والا كيف تفهم وكيف تفسر الأرقام لزواره في ذكرى استشهاده يوم العاشر من محرم؟ وفي زيارة يوم الأربعين التي تفوق العشرين مليونًا في السنوات السابقة، وقد وصلت في هذا العام 2025 ميلادي الى الثلاثين مليونا، وتشهد الأرقام قفزات متتالية كل سنة. فلا توجد إحصائيات دقيقة بل تقديرات تقريبية، تتجلى فيها ثقافة الايمان والعطاء والكرم بوضوح. الحسين بن علي بن ابي طالب ع لم يكن مجرّد شخصية دينية تواجه سلطة زمنية ظالمة، بل كان ( في جوهر الموقف) يقف أمام سؤال أزلي: هل على الإنسان أن يقاوم ويضحي من اجل الحق حين يكون الثمن حياته وحياة اسرته بانتهاك واضح؟ لهذا كان لزاما الخوض في قضية مقدسة كيف تحوّلت كربلاء الى مسير عالمي وحضور عالمي وهتاف عالمي وبكاء عالمي وحزن شفيف عالمي! وكيف تحولت هذه القضية في الخطاب الثقافي والفني إلى (نص مفتوح) عالمي يُقرأ في السياقات السياسية والثورية حول هذا العالم! لنفكك أولا فكرة تحول كربلاء إلى (نص مفتوح) عالمي والى مسير مليوني (بمختلف الجنسيات والمذاهب والأديان).. فالفكرة تقوم على أن الحدث لم يبقَ حبيس التاريخ الإسلامي في القرن الأول الهجري، بل صار رمزا قابلا لإعادة القراءة والتفكر والتفكير والتوظيف في أزمنة وثقافات مختلفة. فضلا عن هذا فان كربلاء تحمل في البنية السردية عناصر أيقونية تصلح لأي خطاب تحرري: قائد مبدئي يرفض المساومة على الحق، أقلية مؤمنة تنتمي لنسب الرسول محمد ص تواجه قوة ساحقة ظالمة. تضحية قصوى تفضح الظلم بالشهادة. هذه العناصر وغيرها تجعلها قابلة للتجسيد وبتدبر فكري سواء أكان في الأدب او المسرح أو الفن التشكيلي والسينما. اما في السياقات السياسية فقضية الامام الحسين ع تمثل ثورة،. ففي قارات العالم شبه بعض المفكرين الثوريين نضالهم بالحسين باعتباره (شهيدا ضد الإمبراطورية) وضد الطغاة والفاسدين. وفي الحركات الحقوقية عالميا أُخذ منها المبدأ: الدم ينتصر على السيف في الذاكرة الجماعية. أما في القراءة السيميائية فالقضية الحسينية تحمل رموزا واشارات مثل: رمزية: الماء الممنوع، العطش، الطفل المذبوح، المكان الصحراوي، الخيم المحترقة، المرأة الأسيرة (السبايا) الرؤوس المحمولة، القائد، كلها علامات يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها لتخاطب أي جمهور متلقي حتى من خارج الدين الإسلامي. الطفل الرضيع (عبد الله): يُقرأ كأقصى درجات البراءة المهدورة، وهو رمز عالمي للظلم الأعمى. النساء السبايا (زينب ع): تتحول إلى خطاب عن الصمود، ونقل الحقيقة رغم الانكسار الجسدي. المكان الصحراوي: فراغ الأرض يبرز امتلاء المعنى، كأن الحادثة حدثت في (لا مكان) لتكون في كل مكان. العطش: (اريد ان اتوقف عن الكتابة لأبكي).. العطش هنا يختلف. العطش يحمل قراءة فلسفية في أفق كربلاء! العطش إذا نظرنا إليه فلسفيًا ليس مجرّد حاجة بيولوجية إلى الماء، بل هو حالة وجودية عميقة. ففي معركة كربلاء يمكن أن يغدو العطش رمزا للرغبة في الحقيقة، وللبحث عن المعنى، وللوصل الروحي. فكما أن الماء لا يروي إلا الجسد فإن المعنى لا يروي إلا الروح، وهنا يبرز موقف العباس بوصفه تجسيدا لهذا الوعي. عندئذ يصبح العطش لغة أخرى وموقفا آخر، ويطرح سؤالا مُرًّا: ماذا لو حُورب الإنسان بالعطش؟ إذا استُخدم العطش كسلاح فإنه لا يقتل فورا، بل يعلمك ببطء معنى الموت. ۰۹:۵۸ قبل‌ازظهر فكيف يكون الحال وأنت في قلب المعركة، تنظر إلى أطفالك وهم يذبلون من الظمأ؟ الأخطر هنا ليس جفاف الفم، بل جفاف الروح حين تدرك أن العطش لم يعد حالة عابرة، بل صار سلاحا في يد العدو، يمارس به حرمان الحياة قبل إزهاقها. القضية كبيرة جدا لا تتسع ارضنا لمن يفقه ذلك، بل تعدت عوالم لا ندركها تحمل فلسفة روحية صوفية عميقة فالقضية الحسينية في الأفق الفلسفي (معركة كربلاء) في بعدها الفلسفي تحمل سؤالًا عن وعي الحسين الذي لم يثنه عن خوض المعركة إدراكُه للفوارق المادية والعسكرية. هنا يبرز تساؤل فلسفي عميق: هل تكمن القيمة في النتيجة المادية أم في الموقف الأخلاقي ذاته؟
امتدت قضية كربلاء وباتت نموذج أسطوري وبات الحدث يُقرأ كتراجيديا إنسانية كبرى، وامتحان وجودي بالغ العمق ينتهي بخلود الواقعة في الذاكرة الجمعية وعليه، فإن القضية الحسينية تمثل مأساة وجودية كبرى: أن تختار الحق وأنت تدرك أن المصير هو الفناء الجسدي، لكنك تراهن على حفظ العهد والمبدأ والحقيقة والعقيدة والرسالة، خلود المعنى وخلود المبدأ السماوي ضمن إطار إيماني رسالي. في السرديات العالمية هناك ما يُسمّى بالنموذج الأسطوري للمقاومة، اذ يتحول الحدث التاريخي إلى رمز أبدي يعاد استدعاؤه في ظروف مشابهة. قضية الحسين في كربلاء دخلت هذا النموذج لأنها تمتلك بطلا (الامام الحسين) يرفض المساومة، وخصما طاغية (يزيد) الذي يختصر فكرة الاستبداد المطلق.. فضلا عن التضحية الكلية التي حولت الهزيمة العسكرية إلى انتصار رمزي ابدي عاصرناه، وسيمتد من اول الأرض الى كربلاء، سيكون العالم وقتها كله يسير بثوب اسود نحو بوابة واحدة كتب عليها (كربلاء) عالم يسوده الهدوء ولا ملامح لهذا العالم سوى بوابة كتب عليها كربلاء نحو قبة الحسين. قوة السرد والرواية هنا: النساء الناجيات، وعلى رأسهن السيدة زينب ع، نقلن القصة بجرأة، فصارت الحادثة حية في الذاكرة الجماعية وستبقى الى يوم يبعثون. ولا يفوتني انتقال كربلاء عبر الثقافات فيعد في الأدب العربي الحديث: الحسين رمز لكل ثورة على الظلم، لا كمجرد حدث ديني. وعند علي شريعتي: كربلاء مدرسة الحرية. اما في أمريكا اللاتينية: بعض شعراء نيكاراغوا وكوبا شبّهوا شهداءهم بـثورة (حسين العصر) في مواجهة الإمبريالية، مستعيرين الرمز لشرعنة التضحية. ولا يفوتني، بصفتي فنانة تشكيلية وباحثة في الشأن التشكيلي، أن أؤكد أن القضية الحسينية حاضرة بقوة في الفنون البصرية العالمية، حيث تجسّدت في لوحات وتماثيل عديدة تناولت قيم التضحية والشهادة، واستلهمت رموز العطش والجود، وكفوف العباس، وصورة المخيم، والأم الثكلى، والأخت المسبية، والفتاة الصغيرة، والمقاتل المحاصر. ما لا يمكن السكوت عنه، وما يستحق التبحر فيه بحثا ودراسة، هو قضية الإمام الحسين، فهي ليست حدثا تاريخيا فحسب، بل قضية كونية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتحمل في جوهرها معاني الحرية والكرامة والعدالة لكل الإنسانية من يوم مقتله والى يوم الظهور عج. هذا تحليل بسيط موجز لقضية كونية كبيرة يبين كيف غدت كربلاء في الوعي المعاصر والثقافة المعاصرة الى قضية مقاومة عابرة للمذاهب واللغات والجغرافيا، وذلك من خلال قراءتها تاريخيا وفكريا ومذهبيا عقائديا قضية تتجاوز حدود الأديان واللغات.

هوامش: قضية كربلاء: قضية الطف..هي واقعة تاريخية جرت سنة 61 هـ (680 م) حين خرج الإمام الحسين بن علي، سبط النبي محمد ص، من مكة رفضا لمبايعة يزيد بن معاوية الذي تولى الحكم بعد أبيه بطرق اعتبرها الحسين غير شرعية وظالمة. تحرك الحسين نحو الكوفة استجابة لرسائل أهلها الداعية لنصرته، لكن جيش الأمويين بقيادة عبيد الله بن زياد حاصره في كربلاء مع قلة من أهله وأصحابه. في يوم عاشوراء، قُتل الحسين ومعظم رجاله بعد مقاومة بطولية، وسُبيت نساؤه وأطفاله إلى الشام. أصبحت الواقعة رمزًا للتضحية في سبيل الحق، وموقفا خالدا ضد الظلم والاستبداد. في واقعة كربلاء كانت مواقف الجبهتين متباينة جذريا، من حيث الهدف والمبدأ:

  1. جبهة الإمام الحسين (عليه السلام): الهدف: الدفاع عن الحق والعدل، ورفض مبايعة يزيد لما مثله من ظلم وفساد. وصيانة مبادئ الإسلام عن الانحراف. المبدأ: عدم القبول بشرعية حكم قائم على القهر والوراثة، حتى لو كلف ذلك حياته. الوسيلة: الحسين لم يبدأ القتال، بل حاول الحوار والموعظة حتى اللحظة الأخيرة، ووقف في موقف المظلوم الصابر المدافع عن العقيدة. الشعار: إني لم أخرج أشِرا ولا بطرا… وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله ص. جبهة أعداء الحسين (الجيش الأموي بقيادة عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية) الهدف: فرض بيعة الحسين ليزيد بأي ثمن، وإثبات قوة السلطة المركزية الأموية. ۰۹:۵۸ قبل‌ازظهر المبدأ: أولوية الحفاظ على الحكم والسيطرة، حتى ولو كان ذلك بالقوة وسفك الدم. الوسيلة: الحصار، منع الماء، قطع الإمدادات، والقتال حتى قتل الحسين وأصحابه. الشعار الضمني: طاعة الخليفة حتى لو كان ظالما، ورفضها يُعد تمردا على الدولة. انتهت معركة كربلاء في يوم عاشوراء، 10 محرّم سنة 61 هـ بنهاية مأساوية بعد حصار قاس وقطع الماء عن معسكر الحسين وأهله لثلاثة أيام، اشتد القتال. قُتل معظم رجال الحسين واحدا تلو الآخر، بينهم أخوته وأبناؤه وأصحابه في بطولات فردية مشهودة. بقي الحسين عليه السلام وحيدا، يقاتل حتى أُثخن بالجراح ثم قُتل غدرا، وقُطع رأسه. ثم نُهبت خيامه وأُحرقت وسُبيت النساء والأطفال من آل بيته واقتيدوا أسرى إلى الكوفة ثم إلى الشام. انتهت المعركة عسكريا بانتصار الجيش الأموي، لكن روحيا وتاريخيا تحولت إلى رمز خالد للمظلومية والصمود في وجه الظلم، وأصبحت ذكرى عاشوراء واربعينية الحسين شعلة مقاومة تتجدد في الوجدان الإسلامي وغير الاسلامي. هنا انتصرت كربلاء روحيا إلى يومنا هذا لأن الحسين عليه السلام لم يخض المعركة ليكسب سلطة أو أرضا، بل ليحفظ مبدأً أخلاقيا ودينيا ساميا: أن الحق لا يُساوم، وأن الظلم لا يُطاع. أسباب الانتصار لمعركة الطف الروحية: صفاء النية والموقف: الحسين كان واضحا في هدفه، خرج (لطلب الإصلاح) لا للملك، فصار رمزا للنقاء في النضال. التضحية المطلقة: قدم حياته وأهل بيته وأصحابه في سبيل المبدأ، فجعل دمهم أغلى من أي انتصار مادي. انكشاف الظلم: قسوة أعدائه – قتل، حصار، سبي – فضحت فساد السلطة، وأثارت ضمير الأمة. تحول الهزيمة العسكرية إلى نصر رمزي: بمرور الزمن صار الحسين هو المنتصر في الضمير الإنساني، ويزيد هو الخاسر أمام التاريخ. كربلاء نجحت لأن الدم هناك انتصر على السيف، والحق انتصر على القوة، فتحولت إلى مدرسة أبدية للمقاومة. خُلد الحسين لأن اسمه ارتبط بالحق والتضحية والمبدأ، بينما ارتبط اسم يزيد بالظلم والقوة الغاشمة، والتاريخ بطبيعته يميل إلى تمجيد من ضحى لأجل العدالة لأجل الآخرين لا من استبدّ بهم. الحسين: قدم حياته وأحبته لرفض الظلم، فصار رمزا لكل مظلوم وتحوّل إلى قصة تُروى للأجيال لتلهمهم. يزيد: انتصر عسكريا سويعات، لكن انتصاره كان على أجساد العطاشى وأطفالهم، فصار مثالا للغدر والجشع و للطغيان، والتاريخ لا يحتفي بالجبروت حين يقترن بالعار. الفرق أن الحسين زرع فكرة، والأفكار تعيش، بينما يزيد فرض خوفا وقبحا، والخوف يزول بزوال صاحبه. بمعنى آخر: الحسين ربح القلوب، ويزيد ربح المعركة… وخسر نفسه أمام التاريخ.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين..السلام على ابي الفضل العباس السلام على الحوراء زينب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *