إيران: قوة طاقة إقليمية بموقع استراتيجي عالمي
تلعب إيران دورًا محوريًا في سوق الطاقة العالمية، ليس بسبب ما تمتلكه من ثروات طبيعية هائلة فحسب، بل بسبب موقعها الجغرافي الفريد عند بوابة الخليج الفارسبي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تتجه أنظار العالم مجددًا إلى طهران، وسط مخاوف من أن تلجأ إلى سلاحها الأهم: إغلاق مضيق هرمز.
تُعد إيران من أكبر القوى النفطية والغازية في العالم، فهي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في احتياط النفط المؤكد بعد فنزويلا والسعودية، وتملك حوالى 17 إلى 18% من إجمال احتياط الغاز الطبيعي العالمي. وعلى رغم العقوبات الغربية التي أعاقت انخراطها الكامل في السوق العالمية، فإنها لاتزال تنتج قرابة 3.4 ملايين برميل من النفط يوميًا، وتُصدر جزءًا مهمًا منها، خصوصًا إلى الصين، التي تُعد اليوم المستورد الأول من منطقة الخليج.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق في منظومة الطاقة الدولية
لكن الأهمية الحقيقية لإيران تتجاوز مواردها إلى موقعها الاستراتيجي، إذ تُطل مباشرة على مضيق هرمز، وهو الممر البحري الأضيق والأهم في العالم لنقل الطاقة. يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، و20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، ما يعادل 14 مليون برميل نفط يوميًا. أي خلل في هذا الشريان قد يؤدي إلى صدمة فورية في الأسواق، وقد يُربك منظومة الطاقة الدولية برمتها.
إنّ إيران تمتلك أوراق ضغط جيوسياسية حساسة، أبرزها تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً لإمدادات النفط والغاز العالمية. أي تهديد حقيقي لهذا الممر قد يتسبب بارتفاعات حادة في الأسعار وتعطيل جزء كبير من تجارة الطاقة، خصوصاً أن دول الخليج تعتمد عليه بدرجات متفاوتة لتصدير نفطها.
أهمية المضيق بالأرقام: من يصدّر ومن يستورد؟
تكشف البيانات الحديثة مدى مركزية هذا المضيق في حركة الطاقة العالمية. ففي عام 2023، بلغت نسبة النفط المنقول عبره 41% من السعودية، 21% من العراق، 13% من الإمارات، و10% من الكويت، إضافة إلى 9% من إيران نفسها و5% من قطر. أما بالنسبة إلى المستوردين، فالصين استحوذت على 33% من هذا النفط، تليها الهند بـ13%، ثم اليابان وكوريا الجنوبية بـ11% لكل منهما، بينما حصلت أوروبا والولايات المتحدة على نحو 7% فقط.
وتعتمد دول الخليج بشكل متفاوت على المضيق في صادراتها النفطية: العراق يعتمد بنسبة 94%، قطر 93%، السعودية 84%، إيران 81%، الكويت 79%، البحرين 77%، والإمارات بنسبة 56%. وهذا يعني أن أي إغلاق للمضيق لن يضرب الأسواق العالمية فحسب، بل سيصيب قلب اقتصادات الخليج نفسها.
من ناحية الأرقام، تظهر صادرات النفط من خلال المضيق بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2023 على الشكل الآتي:
السعودية: 7.11 ملايين برميل يوميًا
العراق: 3.65 ملايين
الإمارات: 3.38 ملايين
الكويت: 2.43 مليون
إيران: 1.83 مليون
قطر: 1.47 مليون
أما على صعيد الغاز، فتمكنت قطر من تصدير 79.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال عبره، في حين بلغت صادرات الإمارات 5.4 ملايين طن.
السيناريو الكارثي: ماذا لو أغلقت إيران المضيق؟
في حال قررت إيران، تحت ضغط التصعيد أو العقوبات، إغلاق مضيق هرمز، فإن التداعيات ستكون كارثية. فمن المتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل خلال أيام، وقد نشهد حالة من الهلع في الأسواق المالية، وتباطؤًا اقتصاديًا عالميًا نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة. كما قد تتجه القوى الكبرى إلى ردود عسكرية لضمان حرية الملاحة، ما يعني احتمال توسع النزاع إلى مواجهة إقليمية أو دولية أوسع.
التهديد العسكري الإيراني: ورقة ضغط محفوفة بالمخاطر
ورغم أن إغلاق المضيق قد يبدو خطوة انتحارية بالنسبة إلى إيران، إلا أنها لطالما لوّحت به كورقة ضغط، وهي تملك من الوسائل العسكرية ما يمكنها من تهديد الملاحة، مثل الألغام البحرية، الزوارق السريعة، الصواريخ، والطائرات المسيّرة. لكن إيران تعرف جيدًا أن اللجوء إلى هذا السيناريو الخطير قد يؤدي إلى عقوبات غير مسبوقة أو إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن وحلفائها.
الخلاصة: إيران ومضيق هرمز… معادلة أمن أم فوضى؟
في الخلاصة، لا يمكن فصل مكانة إيران في سوق الطاقة عن دورها الجغرافي في تأمين إمدادات النفط العالمية أو تهديدها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو ساحة استراتيجية بامتياز، يُشكّل فيها الوجود الإيراني عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن أو الفوضى. وفي ظل تصاعد التوترات السياسية والعسكرية، تصبح كل الاحتمالات واردة، وكل برميل يمر عبر المضيق، أشبه برقم في معادلة معقّدة تُهدد بانفجارها في أي لحظة.


