الدعاية السياسية أو “البروباغندا” من أكثر الأسلحة فتكاً في معارك النفوذ والسلطة، خصوصاً في أوقات الحروب والانقلابات والتغيرات الجذرية في الانظمة السياسية والدول. العراق لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما كان الساحة الأبرز التي مورست فيها جميع أشكال الدعاية والتضليل الإعلامي منذ سقوط النظام السياسي عام 2003، حيث تحولت البلاد إلى مسرح مفتوح للحملات الإعلامية الموجهة، الهادفة إلى زعزعة الاستقرار، بهدف إضعاف ثقة المواطن في الدولة ونظامها السياسي.
البروباغندا: سلاح الإعلام الموجه
لم يكن استخدام الإعلام في العراق بعد سقوط النظام السياسي مجرد أداة لنقل الأخبار أو التغطية الصحفية؛ بل تحول إلى آلة جبارة لإدارة الصراع السياسي والعسكري، حيث تم استغلاله من قبل قوى داخلية وخارجية للتأثير في مسارات الدولة العراقية. فبينما كان الإعلام الرسمي العراقي والحزبي ضعيفاً ومترهلاً، لذلك ملأت القنوات الأجنبية والإقليمية الفراغ وبدأت بتشكيل وعي جديد لدى العراقيين عبر تكتيكات إعلامية مظللة قائمة على التهويل والتشويه وإعادة توجيه الرأي العام حسب اجنداتها.
ومن بين هذه التكتيكات، برزت عدة أساليب فعالة لتشويه النظام السياسي والتأثير المباشر على الرأي العام منها :
- إثارة الذعر والفوضى الإعلامية: عملت بعض وسائل الإعلام على رسم صورة مشوهة للنظام السياسي وذلك من خلال تضخيم الأحداث الأمنية وتصوير العراق كدولة غير قابلة للحكم، مما خلق بيئة من الشك وعدم الاستقرار ساهمت في دفع المواطنين نحو التفكير بالبحث عن بدائل سياسية.
- الترويج لنظرية البدائل السياسية: تقوم بعض الجهات المغرضة بتوظيف شخصيات سياسية سابقة او اعلامية ذات حضور إعلامي بارز في وسائل الاعلام والمنصات الرقمية المؤثرة لترويج الخطاب المضلل, وذلك من خلال ضخ رسائل إعلامية مكثفة عبر الشاشات والتغريدات المدروسة، يجري العمل على ترسيخ حالة من الترقب والارتباك داخل المشهد السياسي والشعبي، بهدف إعادة تشكيل
- التلاعب بالمظلومية التاريخية: تم استغلال مشاعر بعض المكونات العراقية للترويج لروايات معينة تعزز الانقسام الاجتماعي، بحيث تصبح بعض الفئات متقبلة لمشاريع تغيير الحكم حتى لو كانت نتائجها كارثية.
- إعادة كتابة التاريخ: تم تسليط الضوء على أخطاء الحكومات المتعاقبة بعد 2003 وإغفال الإنجازات التي تحققت، وحجم التحديات التي ساهمت في تعطيل التنمية. وذلك في إطار خطة طويلة الأمد لتجريد النظام السياسي من أي شرعية.
التضليل الإعلامي ودعايات إسقاط النظام السياسي
لم يكن التضليل الإعلامي محصوراً بجهة واحدة، بل ساهمت عدة قوى إقليمية ودولية في تشكيل المشهد الإعلامي العراقي لما يتناسب مع أجنداتها. فبعد عام 2003، بات العراق ملتقى لصراعات القوى العظمى في المنطقة، حيث استخدمت الدول المجاورة والمجتمعات الدولية الدعاية الإعلامية للتأثير على الرأي العام العراقي وتوجيه الأحداث بما يخدم مصالحها الجيوسياسية
ولم يكن التضليل الإعلامي في العراق يقتصر على خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار فحسب، بل تعداه إلى حملات ممنهجة لإسقاط النظام السياسي عبر نشر الدعايات المغرضة والتهويل الإعلامي. استخدمت وسائل الإعلام المضادة تكتيكات متعددة لتشويه صورة الحكم في العراق، ومن أبرز هذه التكتيكات الترويج لاستغلال محور المقاومة والحشد الشعبي ومواقفهما الداعمة لقضايا الأمة العربية والإسلامية، وتصويرها كتهديد للاستقرار الداخلي والإقليمي، فضلاً عن الترويج لسياسة الإدارة الأمريكية ومجيء ترامب إلى البيت الأبيض كمصدر خوف ورعب للأنظمة الحاكمة. هذه الدعايات تسعى إلى خلق حالة من الذعر وعدم الثقة بالنظام السياسي، ما يسهم في زعزعة الأوضاع الداخلية وتأليب الرأي العام ضد المؤسسات الحاكمة وذلك من خلال.
- إطلاق الشائعات حول انهيار وشيك للنظام: عبر تداول أخبار غير موثوقة عن انهيار الدولة الوشيك، بهدف خلق حالة من الهلع وانعدام الثقة في المؤسسات الرسمية.
- تصوير النظام على أنه فاقد للشرعية: عبر ربطه بالفساد وسوء الإدارة وانعدام الاستقرار، مما يجعل تغييره يبدو أمراً حتمياً.
- طرح سيناريوهات طوباوية وتصوير بعض الشخصيات السياسية على أنها الحل او البديل: تم تضخيم وتهويل مشاهد عديمة المصداقية وطرح اسماء لبعض الشخصيات وإبرازها كبدائل مثالية للنظام الحالي، رغم أن الكثير منها مستهلك وغير قادر على اقناع شخصين بأي فكرة, فضلا عن ذلك لم تمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً. • تضخيم المشاكل الداخلية: تم استغلال كل أزمة تحدث في العراق، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية، وتضخيمها بطرق مزيفة وغير واقعية كدليل على فشل النظام السياسي الحاكم وعدم أهليته للاستمرار.
- الدعاية المضادة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي: استخدمت الجيوش الإلكترونية والمنصات الرقمية لنشر الأخبار المفبركة والتلاعب بالرأي العام العراقي.
ضعف الإعلام العراقي أمام التضليل
في ظل التحولات السياسية التي شهدها العراق، برزت معضلة ضعف الإعلام المحلي في مواجهة موجات التضليل الممنهج التي اجتاحت الساحة الإعلامية. لم يكن هذا الضعف وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات ممتدة لسنوات، ساهمت فيها عوامل بنيوية وسياسية واقتصادية جعلت الإعلام العراقي عاجزاً عن التصدي لحملات التضليل المنظمة التي تستهدف الرأي العام.
أولاً: هشاشة البنية الإعلامية
عانى الإعلام العراقي من افتقاره إلى بنية مؤسسية متماسكة، إذ ظل لفترات طويلة يعاني من التبعية السياسية، مما جعله إعلام سلطة, فاقداً للقدرة على فرض نفسه كسلطة رابعة قادرة على مساءلة القوى الفاعلة وكشف التلاعب بالمعلومات. هذا الضعف انعكس على جودة المحتوى الإعلامي، حيث غلبت عليه التوجهات الأيديولوجية والمصالح الحزبية، مما أضعف مصداقيته أمام الجمهور، وفتح المجال أمام وسائل الإعلام الأجنبية والإقليمية لاحتلال المساحة التي تركها الإعلام الوطني فارغة.
ثانياً: غياب الاستراتيجيات الإعلامية الوطنية
لم ينجح الإعلام العراقي في تطوير استراتيجية متماسكة لمواجهة التضليل الإعلامي، سواء عبر بناء خطاب وطني متوازن أو تعزيز قدرته على الاستجابة السريعة للحملات الإعلامية التي تستهدفه. ظل الإعلام الرسمي بطيئاً ومترهلاً، لا يواكب سرعة انتشار المعلومات عبر المنصات الرقمية، ولا يمتلك الأدوات الفعالة لمكافحة الأخبار المضللة التي باتت تُدار بآليات متقدمة، توظف الذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية لخلق واقع إعلامي موازٍ يفرض نفسه على الوعي الجماهيري.
ثالثاً: تراجع ثقة الجمهور بالإعلام المحلي
إحدى أبرز النتائج المترتبة على ضعف الإعلام العراقي هي فقدان ثقة المواطن بمصادر الأخبار المحلية، ما دفعه للبحث عن بدائل إعلامية خارجية، بغض النظر عن مصداقيتها أو أجنداتها. هذا الانجراف نحو الإعلام الأجنبي، سواء كان إقليمياً أو دولياً، عزز من تأثير حملات التضليل، حيث أصبح العراقيون أكثر عرضة لتلقي المعلومات الموجهة دون وجود رواية إعلامية وطنية قادرة على تقديم سردية متماسكة ومقنعة للأحداث.
رابعاً: استغلال وسائل التواصل الاجتماعي كساحة بديلة
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ميداناً أساسياً لخوض المعارك الإعلامية، حيث يتم توظيفها لنشر المعلومات المضللة وصناعة حالة من التشويش الإعلامي المستمر. وفي غياب رقابة فعالة أو وعي إعلامي كافٍ، بات من السهل التلاعب بالرأي العام من خلال تكرار الرسائل الموجهة ونشر الأخبار الكاذبة بشكل مكثف، مما أدى إلى خلق حالة من الارتباك الجماهيري المستمر تجاه القضايا الوطنية والسياسية
خامساً: غياب المشاريع الإعلامية الوطنية الكبرى
لم يتم الاستثمار بشكل كافٍ في بناء مؤسسات إعلامية قادرة على مواجهة الإعلام الخارجي، مما جعل الرواية العراقية الرسمية ضعيفة أمام الروايات المضادة
الحل نحو إعلام وطني قادر على المواجهة
إن معالجة ضعف الإعلام العراقي لا يمكن أن تتم دون إصلاحات جذرية تشمل تطوير بنية إعلامية مستقلة، وتعزيز المهنية الصحفية، ووضع سياسات إعلامية فعالة لمواجهة التضليل. كما يجب الاستثمار في تدريب الصحفيين على أساليب التحقق من المعلومات ومواجهة البروباغندا الإعلامية، إضافة إلى تبني تقنيات حديثة لتعزيز المحتوى الإعلامي الوطني، بما يضمن بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين الحقائق والأوهام الإعلامية.
في النهاية، يظل الإعلام الوطني هو الحصن الأول لحماية الهوية والسيادة، وإذا لم يتمكن العراق من بناء منظومة إعلامية قوية وموثوقة، فإنه سيظل عرضة لموجات التضليل التي تسعى لإعادة تشكيل وعيه وفق أجندات خارجية لا تخدم مصالحه العليا.
إن مواجهة التضليل الإعلامي تحتاج إلى استراتيجيات فعالة تعتمد على:
- إطلاق مؤسسات إعلامية وطنية قوية تكون قادرة على تقديم الرواية الرسمية بمصداقية ومهنية.
- تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر التضليل الإعلامي من خلال حملات توعية تشرح كيفية التحقق من الأخبار وعدم الانجرار وراء الدعايات المضللة.
- دعم الإعلام الاستقصائي للكشف عن الجهات التي تقف وراء حملات البروباغندا الإعلامية.
- تنظيم الإعلام الإلكتروني لضبط انتشار الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي.
الخلاصة
التضليل الإعلامي كان وما زال سلاحًا فعالًا في توجيه الأحداث السياسية بالعراق. ومع استمرار القوى المتصارعة في استغلاله لتحقيق أهدافها، يصبح من الضروري تبني استراتيجيات إعلامية مضادة تحصّن المجتمع العراقي من الوقوع في فخ الدعاية المغرضة.
فالإعلام، رغم قدرته على الهدم، يمكن أن يكون أداة بناء إذا ما استُخدم بذكاء واحترافية لخدمة الحقيقة والوطن.


