قراءة تحليلية نقدية: مبيعات البنك المركزي العراقي من الدولار وتأثيرها المحدود على الاقتصاد

قراءة تحليلية نقدية: مبيعات البنك المركزي العراقي من الدولار وتأثيرها المحدود على الاقتصاد
تؤدي مبيعات الدولار المتزايدة إلى تفاقم هشاشة الاقتصاد العراقي، دون تحقيق تنمية حقيقية، إذ تُستخدم للعملية الاستيرادية والإنفاق الحكومي غير الإنتاجي، ما يضعف الدينار، ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، وتفاقم ظاهرة الدولرة....

77 مليار دولار تبخّرت والمواطن يزداد فقرًا، نافذة العملة تبيع الدولار ولا تشتري اقتصادًا!

بلغت مبيعات البنك المركزي من نافذة بيع العملة الأجنبية خلال الربع الأول من عام 2025 حوالي 20.8 مليار دولار، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 5.2% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وعلى الرغم من هذا الارتفاع، فإن هذه المبيعات لم تُترجم إلى أثر إيجابي واضح على الاقتصاد الوطني، بل تؤكد استمرار السياسة النقدية في تأمين الدولار لأغراض محدودة، أبرزها تمويل الاستيراد والإنفاق التشغيلي الحكومي، من دون أن تساهم في تحريك عجلة التنمية الاقتصادية أو تحسين القوة الشرائية للمواطن.

تُظهر البيانات أن النسبة الأكبر من المبيعات ذهبت إلى تعزيز أرصدة المصارف في الخارج، بينما كانت مبيعات النقد المباشر والحوالات لأغراض التسوية محدودة جداً. هذا النمط المتكرر يعكس طبيعة الاقتصاد العراقي الريعي، الذي يعتمد كلياً على تصدير النفط مقابل الدولار، ثم يعيد ضخه إلى السوق من خلال عمليات استيراد ضخمة وغير منتجة في معظمها. ورغم هذا الإنفاق الهائل من الدولار، فإن المواطن العراقي لا يلمس فائدة مباشرة.

البنية التحتية لا تتحسن، البطالة ما زالت مرتفعة، والقطاع الخاص لا يزال ضعيفاً، والأسعار ترتفع باستمرار نتيجة التضخم المستورد. بمعنى آخر، مبيعات الدولار تذهب في دورة مغلقة: الدولة تبيع النفط بالدولار، ثم توزع الدولارات للمصارف والمستوردين، ليُعاد استخدامها في استيراد سلع استهلاكية، بينما تُستخدم بقية الإيرادات لتمويل الرواتب والإنفاق الحكومي غير الإنتاجي.

الأخطر من ذلك، أن هذه السياسة تُضعف الدينار العراقي وتُعمّق من ظاهرة “الدولرة”، اذ يفقد المواطن ثقته بالعملة الوطنية، ويجد نفسه مضطراً إلى التعامل بالدولار سواء في الادخار أو التسعير.

وبهذا، فإن البنك المركزي لا يعزز استقرار السوق، بل يعمق التبعية للدولار، ويزيد من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

وعلى صعيد القوة الشرائية، فإن دخول المواطنين، وخاصة أصحاب الدخل المحدود، تتآكل تدريجياً.

فالرواتب تُصرف بالدينار، بينما السلع تُسعّر فعلياً بالدولار، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة المعيشة دون ارتفاع موازٍ في الدخل الحقيقي. وبالتالي، تصبح مبيعات الدولار أداة لاستنزاف القدرة الشرائية، وليس لتعزيزها.

التوصيات

لمعالجة هذا الخلل البنيوي، يجب أن تتضمن السياسة النقدية في العراق إصلاحات جذرية، منها:

  • فرض رقابة صارمة على استخدامات الدولار المباع من خلال تتبع حقيقي لحركة الأموال والبضائع.
  • تقليل الاعتماد على الاستيراد غير المنتج، وفرض قيود على السلع الكمالية.
  • دعم القطاعين الزراعي والصناعي لخلق بدائل محلية حقيقية.
  • إعادة الاعتبار للدينار العراقي من خلال تحفيز التسعير به وتشجيع التعاملات المحلية بعيداً عن الدولار.
  • ربط عمليات بيع الدولار بمشاريع إنتاجية وتنموية، وليس مجرد عمليات تجارية استهلاكية.

خلاصة

إن استمرار بيع البنك المركزي لهذه الكميات الضخمة من الدولار دون رؤية اقتصادية واضحة أو ربط مباشر بالتنمية يعمّق من أزمة الاقتصاد العراقي، ويُضعف القدرة الشرائية للمواطن، ويزيد من هشاشة الوضع المالي العام. هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في فلسفة نافذة بيع العملة، وجعلها أداة لتعزيز الاقتصاد، لا مجرد وسيلة لتصريف الريع النفطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *