بانوراما الوجع العراقي رواية ياقمر المنفى – للاستاذة الدكتورة بشرى البستاني

بانوراما الوجع العراقي رواية ياقمر المنفى – للاستاذة الدكتورة بشرى البستاني
((ياقمر المنفى)) نداء العراقي المهاجر والمبعد عن وطنه لأي سبب كان ، بسبب الاضطهاد والقمع السلطوي، أو هربا من الحروب ، أو طلبا للرزق والعيش الآمن،يبقى العراق أرضا وشعبا هو قمره الذي لايغيب عن سماء ذكرياته ، واحلامه...

وطنكِ هو الماسةُ المتلألئةُ وسط بهاء الدنيا، بأنهاره وينابيعه وشلالات حبه،

بغابات نخله ورمان هواهُ  وآبار نفطه العارم بكرم المحبة…

ياقمر المنفى

((ياقمر المنفى)) نداء العراقي المهاجر والمبعد عن وطنه لأي سبب كان ، بسبب الاضطهاد والقمع السلطوي، أو هربا من الحروب ، أو طلبا للرزق والعيش الآمن،يبقى العراق أرضا وشعبا هو قمره الذي لايغيب عن سماء ذكرياته ، واحلامه ،وعنوان حنينه  مهما طال الزمن  وبعدت المسافات ، عنوان الرواية الذي عبر عن تعلق العراقي بوطنه واعتزازه بشعبه ، وارتباطه بجذوره …

الروايةهي سجل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الشخصيةالفردية والجماعية، يسجلها الروائي منطلقا من تجربته الشخصية،ويستقي تفاصيلها من خلال الواقع المعاش / زمن خلال سجلات الأحداث وذكريات أبناء بيئته ورفاقه ، وأبناء مدينته ووطنه ، تمر هذه الأحداث في مخيلة الروائي حسب أهميتها  وحسب ماحفرته من ذكريات على جدار حياته ، فقد تكون  صور زهور وطيور  ورائحة عطور ، وقد تكون دموع ، وحروق وندوب ، وأصوات رعب وخوف،صور لايمكن أنْ يمسحها تقادم الزمن ، ولاتمحي آثارها الأحداث المتوالية والمحن ، فتظل نابضة بالحياة تترآى صورها أمام ناظري الفرد ….

رواية (ياقمر المنفى) للاستاذة الدكتورة بشرى البستاني ، هي لوحة بانورامية لأوجاع العراق ، وآلام شعبه وما مر به أنسانه من أوجاع وكوارث ومآسي خلال عقود من الزمان ،بانوراما لم تربريقا فيها إلا صور الألم والوجع ، البكاء والدموع والإنكسارات ، والجوع والمرض ومظاهر الظلم والأضطهاد ، والخوف ، فغنائه أنين ، وذكرياته حنين ، وذكرياته مذكرات مشرد سجين ،هذا الوطن الثري بكل شيء بأنهاره وثماره وثرواته وقيم شعبه ، وكرم أرضه ،يمتلك كل شيء ماعدا الأمان والسلام والفرح ، فهو شحيح  جدا…

ولكن على الرغم من كل عوادي الزمن ، وتوالي المحن  يبقى معدن هذا الشعب ذهبا صافيا نقيا ، سرعان ما ينفض غبار العواصف ، ويجف عرق التعب  حتى يعودبريقه ناصعا ،محملا بقيم الحب والوفاء والشجاعة والكرم …

تبدء الرواية بإستئناف رحلة الألم حيث دخل أو أدخل الطاعون الأسود (داعش)الى المدينةبعد فرار حماتها من القوات الأمنية وقياداتها الهزيلة ، فعم الخراب والقتل والسلب والسطو في كل أرجاء المدينة ، فاستبيحت الدور ، والمؤسسات ، ودور العبادة ، ودور العلم ، وادخل الرعب في قلوب النساء والأطفال ، فسبيت العذارى ، وقطعت رؤوس الرجال ، واحرقت المنازل ونهبت الأموال ، وقد ذاق القسط الأعظم من هذا العنف الوحشي المسيحين والأزيدين على أيدي الدواعش المتوحشين الناطقين بالله أكبر !!!وقد تلوثت اأديهم ولحاهم القذرة بدماء الأبرياء …

تستعرض الروائية ماقامت به قوات الأحتلال الأمريكي من الفوضى ونشر مظاهر الرعب ، وهيمنة أصوات سرف الدبابات والمدافع والصواريخ  التي يرقبها الناس وهي تمر من على سطوح المنازل ، وبعضا منها ينطلق من بناية مؤسسة الكندي البحثية  التي تقع وسط منازل السكان وقد استهدفتها قوات التحالف الأجرامية  ، حيث أعتبروها كذبا منشأت لإنتاج سلاح الدمار الشامل وهي الحجة المزيفة الكاذبة التي برروا بها أحتلال العراق واستباحة سيادته …

تعود بها الذكريات الى الحرب العراقية الأيرانية وما قامت به الطائرات الأمريكية بقصف مروع  للمدينة  واستشهاد بعض شباب المدينة  مثل الدكتور (نبيل) الشاب الوسيم الحالم بمستقبل مشرق يقدم أجل الخدمات لأبناء شعبه كطبيب مختص ، وطبعا كانت القادسية محرقة كبرى لأبناء العرا ق من شباب وحتى شيوخ ، وثروات . حرب دامت ثماني سنوات مرعبة ، كان من ضحاياها طفلين أصيبا بالرأس ولم تكتب لهما الحياة لولا أنْ ينقلا الى تركيا للعلاج ، ويستمران بالحياة  ويحوزا على شهادة الطب بعد جد واجتهاد …

بانوراما الوجع العراقي

لاتنسى صور الأطفال الذين ولدوا مشوهين نتيجة القصف بقذائف اليورانيوم التدميرية وما أحدثته من تشوهات للأجنة ، وأمراض السرطان الذي أصبح بمثابة عدوى لسعة الانتشار وما سببه من آثار …

*تظهرصور الجنود العراقيين عند الأنسحاب من الكويت ، حيث دفن المئات في جوف الصحراء  اللاهبة ، ومات المئات جوعا وعطشا  ونزف جراح ، وصور تناثر اجساد الشباب على الطرقات  مقطعين أشلاء وتزهق أرواحهم بسبب مطاردتهم من قبل طائرات التحالف وليموتوا في الساحات والطرقات  دون اهتمام أحد بحالهم  بعد هزيمة  النظام تحت نيران التحالف الدولي ومساندة الشقيق العربي للأنتقام من الشعب العراقي

قبل الأنتقام من نظامه  وحاكمه عنجهية أمريكا ومن تحالف معها ، فتظهر صور الأسلحة وانياشين والرتب المرمية على الطرقات ، تحت هدير الطائرات وأزيز رصاص الرشاشات وصوت إنفجارات قنابر الهمرات …

*تحتل صورة الحصار الدولي الأمريكي الأمبريالي المتوحش  حيزا كبيرا في هذه البانوراما المأساوية ، حيث منع الطعام والدواء وأبسط مستلزمات الحياة عن  ملايين الشعب العراقي من أطفال ونساء وشيوخ  من مرضى وعاجزين ، فاضطر الناس الى التهام طحين مخلوط بالتراب ومخلفات الحيوانات، وحرم الأطفال الرضع من الحليب  فمات مئات الآف منهم دون رحمة ودون عطف تحت أنظار العالم (الحر) (المتحضر) وبمرآى من لائحة حقوق الإنسان ، وثقافة الرفق بالحيوان ، ماتت العديد من النساء الما لعدم تيسر مواد التخدير ومعالجات الألتهابات ، أمام أنظار المؤسسات الدولية (الأنسانية)،إنتشرت ظاهرة اللصوصية والسرقة ، والتسول في الشوارع من قبل الأطفال والنساء والشيوخ ، فشح العمل ومات الأمل وشاع الزيف والدجل تحت ضغط الحاجة …فذبلت الأبدان ، وانكسر الأنسان ، حيث يتقاسم أفراد العائلة رغيف  خبز أسمر ثلثه من تراب ،أختفى بريق الثياب  وذبلت الأهداب  للشابات والشباب  ، هكذا كان حال أغلبية الشعب في حين تعيش الطبقة الحاكمة في القصور وتتمتع بأرقى أنواع الطعام والشراب …

كنا نحلم بالموز والتفاح ، أو لحم الخراف والدجاج ، أصبحت الدور بلا شبايك ولا أبواب ، وتعرت الدور من الاثاث ،ومواعين الطهي ومن الستائر  والتحف وأعز  الهدايا والذكريات ، كلها عرضت في سوح الخردة والمزاد ، أفرغت رفوف  المكتبات من الكتب  الغالية على أرواح مقتنيها ولكنه أمر رغيف الخبز وغائلة الجوع ،بعيت بعض الكرامات والأعراض من أجل سداد دين أو الحصول على قرض ، لشراء دواء  أو علبة حليب لسد  جوع رضيع ، أو مريضا يتلوى ألما …

أخذ البعض لايجيب على طارق باب  لانه لايستطيع أنْ يقدم قدخ شاي لضيف ولايستطيع أن يلبي حاجة طالب حاجة … الحيوانات صارت هياكل من عظام لأنها لاتجد في سلات النفاية مايؤكل ، وان وجد يتنافس عليه الأنسان والحيوان !!!

كل عبارات الوصف والكشف لاتفي  توصيف ما وصل اليه الحال فقد سرقت حتى أبواب وسقوف المقابر  ،وانتهكت حرمة الأموات  فالجوع لايرحم …

الأستاذة الروائية تسرد هذه المآسي واكيد كانت الدموع تبلل الورق ، والذكريات تورث السهاد والأرق ، تحكيها لتكون أمام الجيل الحاضر  وامام انظار العالم ، أما جيلها فقد عاش المحن وذاق الشجن  ولايمكن أنْ ينسى  سنوات المعاناة ولا صور المأساة …

ما هو أمر وأدهى انْ سلط المحتل على العراقيين زمرة الجهلة ، وسلم كراسي الحكم الى أقل الناس شرفا  وأقلهم أمانة ، وأكثرهم استعدادا للتبعية والخيانة ، فها  نحن نرى انَّ أغلبية الشعب تعيش الحرمان، تعاني من العوز وفقدان السكن والامان ، حيث شاع التسول ، وانتشرت الرذيلة ، وشاع الفساد والرشوة ، وسلب المال العام ، في بلد الثراء ، مليارات الدولارات تذهب الى جيوب رموز السلطة ومتنفذيها ، تذهب الى جيوب الفاسدين ، وتعبر الحدود لتدخل خزائن أسياد الحكام  ومن  أمن لهم المناصب وهيأ لهم المكاسب …

انَّ صورة فساد الطبقة الحاكمة تكاد تغطي على كل صور البناروما الحزينة ، حيث الزيف والكذب وعدم الأمانة والخيانة ، حيث زرعت المحاصصة العرقية والطائفية  وخنقت الإنسانية والوطنية،زيفت قيم الدين وقيم النضال ، وجرفت القيم الايجابية التي كانت تفتخر بها الأجيال ،اخذ الفرد يتباهى بالفهلوة والقدرة على الغش والسلب وتكديس المال بدون حساب الحلال والحرام ، ولايخجل من إدعاء خدمة الأجنبي وعبادة الدولار ، الصحة عليلة ، والتعليم أمي ، والأمن مغمض العينين ،والعبادات مظاهر….وها نحن نشهد مأساة كبيرة ناتجة عن فساد السلطة  ألا وهو محرقة مول الكوت هذه الفجيعة المؤلمة ،التي سبقها مأساة سبايكر، وماساة عبارة دجلة ، وكارثة الحمدانية  وحريق الكرادة وووو

تمكنت الروائية وبأسلوب سردي مشبع  بالشعرية وجمال العبارة أن تجمل حال العراق في هذه الجولة البانورامية التي مازالت تنمو وتكبر  من حيث المضمون والمظهر ، لتذكر من نسى أو تناسى ، وتضع امام  أنظار  من لم يعش تفاصيل بعضها  من جيل مابعد 2003 ، وتبصر من يعيش رثاثة وهشاشة وبؤس ما يعيشه الآن ، وتنبه الى ماينتظرنا في قادم الايام …

كانت الحبكة السردية محكمة البنيان ، والعبارات بليغة واضحة البيان ، والثيمة انتصرت على التناسي والنسيان ، والفكرة انتصرت للوطن وللشعب والانسان

هل هي رواية قصيرة جدا؟؟

سنسترجع اشترطات ومواصفات الرواية القصيرة جدا لنرى :-

في البداية نرى أن الرواية لاتزيد كلماتها على ال5000 كلمة  بل هي 4905 كلمة فقط وهذا هو الشرط الاول للرواية .

الرواية تضمنت شخصية  روائية رئيسية الا وهي شخصية الاستاذة الجامعية ، ومعها شخصيات ثانوية متعددةكشخصية اختها الاستاذة منال ، والطفل حسن ، وسائق السيارة ،الدكتور نبيل، ولي امر العائلة  واخرون  بمعنى ان هناك تعدد شخصيات وكذلك تعدد حوارات  وهذا شرط مهم من شروط الرواية .

تنقل الاحداث والحوارات بين امكنة متعددة الجانب الايمن ، الجسر ، الغابات ، المدينة القديمة ، البصرة، وازمنة متعددة  ليل  ونهار وصبح وظهيرة …الخ  وبذلك استوفى النص الشرط الثالث من شروط الرواية .

الروائية  اختزلت الكثير من صفات وتعريفات الشخصيات ، فهم اسماء دون ذكر أشكالهم من حيث البياض والسمار ولون العيون والشعر ، وشكل الملابس ، ولم تشر  الى ماهو مميز كما في ساق حسن المقطوعة ، ويد الطفل   حيث خصيصته  المميزة  بسبب الحرب ، وجذا هو الحال بالنسبة للنساء، كما انها لم تتطرق الى مواصقات الامكنة العامة معروفة المواصفات مثل منشأة الكندي، سوى انها نفت عنها صقة تصنيع اسلحة الدمار الشامل كما ادهى الامريكان كذبا … ولم توصف الغابات فهي معرفة  ، وتوصيفات كل هذه العناوين متروكة للمتلقي المؤلف الثاني ليتخيلها حسب معرفته وثقافته لينشيء نصا روائيا ثانيا ، وان اشراك المتلقي كمؤلف ثاني ، مع المؤلف الاول من اهم ميزات الرواية القصيرة جدا ، وبهذه الميزة اكتسبت صفة القصيرة جدا بالتكامل مع التكثيف والاختيار الدقيق للمفردة والجملة القصيرة المعبرة وبالاضافة الى شعرية اللغة وجمالية الاسلوب اكتسب  النص السردي توصيف وتجنيس رواية قصيرة جدا.

بالتأكيد فاستاذتنا ونحن نشاركها الحلم بعراق حر ينعم بالسيادة ، وشعب ينعم بالحرية والرفاه والأمان  والوحدة والسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *