فأولا نقول ما هو الادب ؟؟
(( الأدب هو أحد أشكال التعبير الأنساني عن مجمل عواطف الأنسان وأفكاره وخواطره وهواجسه بأرقى الاساليب الكتابية التي تتنوع من النثر المنظوم الى الشعر الموزون لتفتح للانسان أبواب القدرة للتعبير عما لايمكن أن يعبر عنه بأسلوب أخر)) ويكيبيديا .
وبتعريف آخر (( الادب هو حركة النشاط الادبي شعرا ونثرا وفنا وفكرا وثقافة …)) عبد الله حميد في الجمهورية يوم 24-12-2009.
(( أن الأدب هو ببساطة – مادة عضوية من التخيل flction)) لطفية الدليمي –جريدة المدى – ايغلتون
وقال بريس براين ((أن الأدب هو كلمات وهذه الكلمات ((مسدسات عامرة بقذائفها)) من كتاب ما الادب لجون بول سارتر .
فاذا كان الأدب بهذا التوصيف فستكون علاقته بالسلطات المختلفة حسب توصيفاتها…
ففي ظل السلطات الاستبدادية لشيخ القبيلة او الجد الاكبر او للحاكم الفرد او لرجل الدين ممثل الاله تفرض على الأنسان أشد القيود وتقمع اية معارضة وعلى وجه الخصوص من قبل الأنسان المثقف والأديب المتطلع الى حياة أفضل وأكمل ويستشعر آلام ومعاناة أخيه الانسان من القهر المسلط عليه من قبل هذه السلطات الأستبدادية بمختلف توصيفاتها ، والامثلة كثيرة في التاريخ الانساني على هذا الكبت والقمع حد الموت والحرق ولنا في ما جرى ضد الأنسان الحر في الامبراطورية الرومانية والامبراطورية التركية والممالك المستبدة من قبل قوى الاقطاع والنبلاء ومن قبل كهنة الكنائس ومحاكم التفتيش خير شاهد على قمع كل فكر مخالف لهذه السلطات المعبر عنه شعرا أو نثرا لأنه يدعو للعدالة والمساواة وصيانة كرامة الأنسان ويرفض العبودية والتسلط … ولنا في ماحدث لأبن المقفع صاحب كتاب (كليلة ودمنة)في التاريخ العربي الأسلامي من قبل ابو جعفر المنصور خير مثال على هذه الممارسة على الرغم من أتباعه اساليب ذكية لكي لايتعرض لمسائلة السلطة فقد((عمد الى التعمية والرمز تحرزا من من انتقام الخليفة واعوانه ))، فكان ابن المقفع ((يريد في كتاب كليلة ودمنة للعامة كتاب تهذيب ، وتعليم وأصلاح كما يريده كتابا فنيا أدبيا ممتعا ، ويضعه بين ايدي الحكماء ، ليكون تذكرة لهم بالحكمة ، الخالدة ، يغوصون في محيطها مايشاء لهم الغوص،، سلوى لقلوبهم تسري عنهم ما يعانونه في واقع حياتهم من المفارقات الغريبة والمفاسد والموبقات القاتلة … أن عظمة أبن المقفع تكمن في وعيه المتقدم لدور الأديب الطليعي الأصلاحي والتزامه القضايا الأجتماعية والاخلاقية وأعتبار الانسان قيمة كبرى )) من كتاب الادب الكبير والادب الصغير
ولذلك شعرت السلطات بخطورته هو ومن شاكله واتخذت بحقهم انواع القتل والحرق والتمثيل …
وحصل مثل هذا السلوك مع الشعراء والحكماء والعلماء من قبل محاكم التفتيش الكنسية في أوربا قبل عصر التنوير…
أما في العصر الحديث والذي يمكن تقسيم السلطة فيه الى ثلاث أنواع
((1- السلطة العقلانية وهي التي تستخدم شرعيتها من القانون وفي الدول الديمقراطية وتمارسها وفقا للقانون ، السلطة الكارزمية وهي التي كان لها الأهتمام الاكبر بعد ما طرحها ماكس فيبر، وهي السلطة التي يقودها شخص غير عادي “خارق” يملك صفات كارزمية حقيقية أو وهمية .
أما السلطة التقليدية – اذ تعتمد هذه في البداية سيادة فكرة أن الله سبحانه هو مصدر السلطة ثم تحولت الى سلطة العائلة الواحدة الحاكمة ، ثم رئيس القبيلة ، والملك والأمير )) حنان علي عواضه – جامعة بغداد – كلية الاداب قسم الفلسفة
في العالم الداعي الى الديمقراطية وحرية الانسان تعرض الادب والاديب للكثير من القهر والقمع والحرمان بسبب كتاباته التي تعري هذه الانظمة امام شعوبها بسبب الاستغلال الطبقي والجسدي والفكري و (( وفقا لأتحاد المكتبات الامريكية تعد رواية “1984” لجورج اوريل من اكثر الروايات التي تعرضت للحظر والمنع في التاريخ الحديث .
وما اثارته رواية (كوخ العم توم) للروائية الأمريكية هاربيت بينشر وأدت الى أشعال الحرب الأهلية الأمريكية في الولايات المتحدة أرصدت الحياة القاسية التي يعيشها السود في العالم الغربي : ورواية (العقب الحديدية) للروائي جاك لندن التي عرت وجه الرأسمالية الأمريكية وماتعرض له جاك لندن من الاذى بسببها . وكذلك الكاتب ارثر ميلر (1915- 2005) أحد ابرز الكتاب الذي كشف عن الوجه البشع للراسمالية عبر مسرحيته امشهورة (وفاة بائع متجول)، وكذلك الكاتب المسرحي النرويجي هنريك ابسن (1828- 1906) كواحد من أهم نقاد الراسمالية من الادباء واهم مسرحياته (بيت الدمية) و (اعمدة المجتمع).
وفي روسيا عانى الأديب الأمرين في ظل نظام القياصرة الأستبدادي الراسمالي فقد حكم على الكثير من الأدباء بالسجن والتعذيب والأبعاد والموت حيث حكم على ديوستفسكي بالأعدام من قبل القياصرة ومن ثم النفي، وأقدم العديد من الكتاب على الأنتحار ، مثل الكساندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف ومايكوفسكي وسيرغي يسنين …
وفي زمن ((الأشتراكية)) وعلى وجه الخصوص زمن حكم ستالين عانى الأدباء السوفيت القمع والقتل (فالشاعرة المبدعة نسفتايفا انتحرت في ظروف غامضة ، وظلت قصائدها ممنوعة الى اواسط الخمسينيات بما تمتاز من ثقافة وتمرد ورفض ، موت بولغاكوف لما تعرض له هذا الروائي العبقري من سوط ستالين ورفاقه ، موت الشاعر الكسندر بلوك في عام 1920 بعدما رفضوا بالسماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج ) ( فاجعة الشاعر يسنين … حيث شنق نفسه في فتدق في لينينغراد عام 1925 وهو في الثلاثين من عمره ، وهو من قال عنه بوريس باسترناك ((لم تلد الارض الروسية من هو الاكثروطنية وأفضل توقيتا مما هو سيرغي يسنين )).
مايكوفسكي يطلق النار على رأسه من المسدس المهدى اليه من مخابرات الكرملين والحديث يطول حول ما سببته العقائدية الفجة من قمع للادب والادباء .
أما في العالم العربي الاسلامي فالامثلة لاتعد ولاتحصى لما تعرض له الأدب من القمع السلطوي. ماتعرض له نجيب محفوظ كاتب رواية (اولاد حارتنا ) التي منعت من النشر والطباعة في مصر والعديد من الدول العربية ، وقد طعن من قبل متطرف متأثر بالفكر الديني ، وابعدت وقمعت نوال السعداوي ، وحوربت ومنعت رواية (كأنه) لعلاء ألاسواني ومنعت من النشر في مصر ، وفتوى أهدار دم صاحب رواية ((أيات شيطانية)) سلمان رشدي ، ولم يجد أي اديب متحرر الأمان والسلام في اي من البلدان العربية والاسلامية سواء من السلطات الحكومية أو السلطات الدينية المتخادمة معها…
ومن الصعوبة بمكان الحديث عن معاناة الأديب والأدب في العراق من قبل السلطات القمعية الحكومية على وجه الخصوص ، حيث شرد الأدباء وهجروا وسحبت جنسياتهم وقتلواوماحدث من عداءوتشريد للرصافي وللجواهري و مصطفى جمال الدين ومظفر النواب وسعدي يوسف وغائب طعمه فرمان وجعفر الخليلي وأحمد مطر وعبد الوهاب البياتي وجمعة اللامي و اغتيال علاء مشذوب وكامل شياع وقاسم عبد الامير عجام وووو الخ لخير شاهد على معاناة الأديب والأدب العراق في زمن الأنظمة الملكية والجمهورية الديكتاتورية و((الديمقراطية )) ، ومن قبل المنطمات الارهابية .
الأدباء في العراق يعانون الغربة والتشرد في بلدان المهجر المختلفة ، ولايمكن أن ينتعش الأدب والأديب الا داخل فضاء الحرية (( هناك احالة متبادلة بين الأبداع والحرية ، فالحرية هي ابداع الأنسان لنفسه وتحقيق ذاته الكلية من خلال الفعل ، اما الابداع فهو فعل التحرر ذاته الذي يتجسد في علاقة بين الانسان والوسائط التي يفعل من خلالها ، والحرية بهذا المعنى شرط أولي للابداع، كما أن الأبداع شرط لكي تصبح أفعالنا ذات طابع حر ، فكيف يستطيع الأديب أن يتوجه بأبداعه للسلطة في غياب الحرية ؟؟) مجدي عبد المعروف – استاذ النقد والادب المشارك بقسم اللغة العربية سنا \ السودان – صراع الادب والسلطة ابن المقفع نموذجا .


