الرواية القصيرة والرواية القصيرة جداً .. أوجه التشابه والاختلاف

الرواية القصيرة والرواية القصيرة جداً .. أوجه التشابه والاختلاف
الرواية فن الحياة وتحولاتها في زمن اهتمام الإنسان بتوثيق خياله وتطلعاته وأحلامه، أفراحه وأتراحه، فن سرد تجاوز زمن الملحمة الفن النثري القديم...

الرواية فن الحياة وتحولاتها في زمن اهتمام الإنسان بتوثيق خياله وتطلعاته وأحلامه، أفراحه وأتراحه، فن سرد تجاوز زمن الملحمة الفن النثري القديم، يذكر أن أول رواية كتبت ونشرت في العالم هي رواية (الحمار الذهبي) للكاتب الأمازيغي (لوكيوس أبوليوس) في القرن الثاني الميلادي.

في حين كانت أول رواية أوربية هي للروائي الأسباني (دون كيخوتي دي لامانتشا) نشر الجزء الأول عام 1605 بعنوان (العبقري النبيل) من دون كيخوتي دي لامانتشا، بينما ظهر الجزء الثاني عام 1615 تحت عنوان العبقري الفارس دون كيخوتي ديلامانتشا.

بينما يذهب أغلب النقاد وموثقي الأدب العربي أن محمد حسين هيكل هو أول من نشر رواية بعنوان (زينب) عام 1913 أو 1914.

في حين كانت رواية (جلال خالد) أول رواية عراقية لمحمود أحمد السيد نشرت عام 1928.

كما كتبت الرواية القصيرة التي كانت أحدى متطلبات عصرها في التكثيف والاختزال وعدم الإسهاب في السرد الروائي، حيث كتبت أول رواية قصيرة بعنوانDECAMERON  للروائي الإيطالي جيوفاني بوكاشيو عام1353، أي بعد أكثر من عشرة قرون  على ولادة أول رواية في القرن الثاني الميلادي.

ولو حسبنا الفترة من عام 1353 ولغاية العام الحالي 2024 ، يكون الفرق بينهما 671 عاماً، ولاشك أن العالم شهد تطورات كبرى بما لا يقاس مع ما كان عام 1353 . فعالم اليوم عالم السرعة الفائقة، عالم انشغال الإنسان بتوفير متطلبات حياته اليومية في عصر العولمة الرأسمالية، بحيث أضطر أنْ يتناول غذائه ماشياً أو واقفاً من خلال الوجبات السريعة واسعة الانتشار في المدن الصناعية الكبرى، السرعة الفائقة لوسائل النقل البرية والبحرية والجوية، مشاغل الإنسان في العمل والعلم والبحث والابتكار لم تترك له إلا حيزاً ضيقاً جداً من الوقت من أجل الاهتمام باحتياجاته الروحية كالرياضة والرقص والغناء والقراءة، فكانت ميوله نحو الرشيق الخفيف المختزل السريع ومن ضمنها الرواية، فلم يعد وقته يتسع حتى للرواية القصيرة التي لا تقل صفحاتها عن 50 صفحة إلى أكثر من 100 صفحة بقليل.

فأقصر رواية قصيرة هي رواية (رجل عجوز بجناحين كبيرين) لغابريل غارسيا ماركيز بواقع 37 صفحة فقط، هذه الرواية التي تقع ضمن متطلبات عصر العولمة للرواية القصيرة جداً ولكن ماركيز لم يصنف روايته برواية قصيرة جداً كما تم التنظير والتقعيد لها الآن.

كُتبت وطبعت ونُشرت أول مجموعة رواية قصيرة جداً أربع روايات قصيرة جدا عام 2019 ، صدرت عن دار حوض الفرات في النجف للطباعة والنشر، ومودعة في دار الوثائق والكتب في بغداد برقم 1962 لعام 2019، كما تمت طباعة ونشر الطبعة الثانية بزيادة رواية جديدة لتكون خمس روايات صادرة عن دار رؤى للطباعة والنشر موثقة في دار الكتب والوثائق الوطنية ببغداد (2276) لسنة 2024 ، وما هو جدير بالذكر أني كتبت أول رواية قصيرة جداً عام 2010  وقد فازت بالمرتبة الثانية ضمن مسابقة على نطاق الوطن العربي أقامتها دار حروف  منثورة عام 2013 ، وكتبت بعدها رواية (القداحة الحمراء) وقد نشرتهما دار حروف منثورة كروايتين الكترونيتين، ولكن لم  أعنونهما في بادئ الأمر برواية قصيرة  جداً، إلا بعد التفكير فيهما، فهما ليستا رواية قصيرة  ولا رواية  طويلة طبعاً، وليست قصة طويلة  لا نطاق  اشتراطات الرواية عليهما، مما أقنعني باصطلاح (رواية قصيرة جداً) كنوع أو لون جديد من أنواع الرواية، مقتدياً باصطلاحات القصة الطويلة، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والمسرحية القصيرة، والمسرحية القصيرة جداً، والقصيدة القصيرة، والقصيدة القصيرة جداً. فلا مانع أذن من  اجتراح مصطلح الرواية المكثفة والمختزلة ب(الرواية القصيرة جداً) ، وقد نظّرت لها في مقال نُشر في جريدة الزمان بتاريخ 15 / 3 / 20215  بعنوان (الرواية القصيرة جداً مبررات الولادة واشتراطات التجنيس) ، فعلّمت الروايتين أعلاه بالرواية القصيرة جداً، وكذلك هو الحال في الروايات  ما بعدهما . .

وبحسب ما قمنا به من بحث وتقصي لم نعثر على أي مطبوع روائي مجنس برواية قصيرة جداً لا في العراق ولا في الوطن العربي ولا حتى في العالم كما نعتقد، ولكننا نجزم بأن هناك من كتب الرواية ضمن تنظيراتنا للرواية القصيرة جداً كما هو الروائي الكبير ماركيز، إذ ارتأينا أنْ لا تزيد صفحات الرواية القصيرة جداً على 40 صفحة متوسطة، وبما لا تزيد على 5000 كلمة، ولا تصل إلى 7000 كلمة حيث الرواية القصيرة .

الرواية القصيرة والرواية القصيرة جداً تشترك في الاختزال والتكثيف في التوصيف والتعريف وسرد الحدث، مع حفاظها على تعدد الشخصيات وتعدد الحوارات والحفاظ على الانتقالات الزمانية والمكانية، أي الاحتفاظ باشتراطات الرواية والتميز عن القصة الطويلة والقصة القصيرة مع أنها قد تشاركها في القفلة والنهاية الصادمة ولكنها ليست من شروطها .

لكن الرواية القصيرة جداً تمتاز بمشاركة المتلقي والقارئ في تخيل وتصور وتأويل أحداثها، فهي رواية وامضة تؤشر ولا تفسر فتترك التخييل والتفسير ورسم الصورة بتفاصيل الشخصية والمكان لما يستبطنه القارئ في حافظته الفكرية لها، حيث قدم عالم الانترنيت المذهل مواصفات ومميزات وتاريخ أعلام الفكر والأدب والهندسة والسياسة والعمران والحواضر الإنسانية لكل إنسان في أقصى بقعة من العالم، فلا حاجة للروائي أن يعيد مواصفاتها على المتلقي مما يستنزف وقته إنْ كان لديه وقت في عصرنا الراهن ويثير لديه الملل من التكرار غير المبرر لتوصيفات وتعريفات هو يعرفها مقدماً، فالروائي مثلاً ليس بحاجة إلى أن يوصف لي شكل صديقي من حيث الطول والقصر ولون الشعر والعيون، وهل هو أبيض أم أسمر أم أشقر؟ وحتى مزاجه وحركاته لأني بها عليم، والاكتفاء بذكر الميزات والمواصفات وحتى السلوكيات التي يتميز بها الشخص دون غيره…

كاتب الرواية القصيرة جداً لا يسرف كثيراً في نصه السردي، فيعرض المونولوج الحواري الداخلي للشخصية وغالباً ما يترك للمتلقي تصور بواطن الشخص من خلال سياقات الرواية وتحولات أحداثها وثقافة الشخص وبيئته المعاشة، وكما قلنا الرواية القصيرة جداً تومض ولا تفرض كما في الرواية الطويلة ونسبياً في الرواية القصيرة. ربما سيكون اهتمام كاتب الرواية القصيرة جداً منصبّاً على التحولات النفسية لإنسان العولمة المعقد ودائم التغير والتبدل، مما يترك قلقاً نفسياً كبيراً لدى الإنسان وهو يتفكر واقعه ومستقبله ..

لاشك أنّ كل الزملاء الأدباء يعلمون إن النوع أو الجنس الأدبي الجديد لا يولد كاملاً مكملاً بل يكتمل خلال الممارسة ومن خلال إبداعات الأدباء ممن يتبنونه ويمارسون كتابته، ومن خلال اهتمامات النقاد وملاحظاتهم، وبالتأكيد سيكتب الأدباء روايات أكمل وأجمل وأغنى مما كتبه الرواد، حتى تنظيراتنا وتنظيرات غيرنا ليست نصوصاً مقدسة ولا جامدة، فلا ثابت إلا المتغير، وخلال المراس والتجريب المتكرر تستجد الكثير من الأمور وتظهر الكثير من المبادرات تغني هذا النوع الوليد وتشد من عوده ليكون له مكانه الخاص بين الأجناس والأنواع الأدبية..

نتفهم تماماً دهشة بعض الأدباء في الوسط الأدبي، وردة فعلهم ورفضهم لكل ما هو جديد وغير معتاد وغير تقليدي وغير مألوف، وهم يعيشون في مجتمع راكد يعيش فترة سبات على مختلف المستويات، والذي نرجوه أن لا تصدر الأحكام إلا بعد القراءة المتأنية للتنظيرات والقراءة الموضوعية الجادة للنصوص الموصوفة برواية قصيرة جداً وحسب ما يتيسر تحت نظر الناقد والأديب والمهتم بالأدب، وحسب علمنا أن هناك العديد من الأدباء في العراق وفي الوطن العربي قدموا منتجهم الإبداعي بالرواية القصيرة جداً لدور الطباعة والنشر وسترى النور قريباً، بالإضافة إلى ما هو موجود فعلا ً ومنذ أكثر من خمس سنوات كما أسلفنا سابقاً …

نتمنى على أصدقائنا وزملائنا الأدباء عدم استكثار مثل هذه المبادرة الإبداعية على الأديب العراقي، فالأدباء في العراق لهم السبق والباع الطويل في التجديد والابتكار والتطوير في كل مجالات الفن والمنتج الأدبي الإبداعي، وفي المقدمة منها الشعر كما فعل السياب ونازك الملائكة وحسين مردان ولميعة عباس عمارة، وفي القصة القصيرة جداً حيث أصدر القاص والروائي إبراهيم أحمد أول مجموعة قصصية عراقية وعربية مطبوعة تحت مصطلح (قصص قصيرة جداً) في عام 1977.

ولو راجعنا موروثنا العراقي السردي لوجدنا أن الراحل الأديب الكبير جعفر الخليلي كتب روايتان بعنوان (في قرى الجن) و(الضايع) في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين وطبعت في عام 1948 يمكن تصنيفها كرواية قصيرة جداً، فهو لم يصنفها كذلك في وقته، حيث كانت ب190 صفحة من الحجم الصغير ربما لا تزيد على 40 صفحة حجم (أي فور) . وهي لاشك لا تقع ضمن مقاسات الرواية القصيرة جداً حسب التنظيرات الحالية لهذا النوع من الرواية ولكنها تقترب منها كثيرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *