قوات الليفي العراقية الرمح البريطاني في بلاد الرافدين

قوات الليفي العراقية الرمح البريطاني في بلاد الرافدين
شكّلت قوات الليفي أداة استعمارية بريطانية اعتمدت على الأقليات لقمع الوطنيين وتقويض بناء جيش عراقي موحد، مما رسّخ الانقسامات وأخر مشروع الدولة، وأثبت أن الجيوش لا تُبنى بولاءات خارجية بل بالمهنية والسيادة....

المقدمة

حينما انهارت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وجدت بريطانيا نفسها في موقع الهيمنة على العراق وبدلًا من فرض احتلال مباشر مكلف عسكريًا وشعبيًا لجأت إلى أساليب أكثر بساطة ودهاءً لبسط النفوذ من بينها تأسيس أذرع عسكرية محلية موالية أبرزها “قوات الليفي العراقية”.

مثّلت قوات الليفي الذراع البريطاني المرن وإحدى أدوات الهندسة الاستعمارية لبريطانيا في بلاد الرافدين حيث شُكّلت من أبناء الأقليات والمكونات الإثنية والدينية في العراق وجرى تسليحها وتدريبها على يد البريطانيين لا لخدمة الدولة العراقية الناشئة بل لحماية المصالح الإمبراطورية البريطانية ومقاومة الحركات الثورية الوطنية.

أولًا: النشأة والسياق السياسي

تأسست النواة الأولى لقوات الليفي في عام 1915 خلال تقدم القوات البريطانية في جنوب العراق أثناء الحرب العالمية الأولى. تم تجنيد أبناء العشائر الجنوبية و الاعتماد عليها في مقاتل  واخماد المقاومة الشعبية وبسط النفوذ البريطاني حيث بدأت كمجموعة صغيرة من الفرسان العرب أُطلق عليها اسم “خيالة المنتفك” متسلحين باسلحة خفيفة ويتنقلون على الخيل  بقيادة ضباط بريطانيين ثم توسعت لتُعرف بـ “الكشافة العرب” وأوكلت إليها مهام التجسس وحماية الخطوط الخلفية للقوات البريطانية وطرق الإمدادات اللوجستية ومرافقة الضباط والسياسيين في الميدان.

مع اتساع السيطرة البريطانية ظهرت الحاجة إلى تشكيل قوة دائمة تخدم أغراض الحماية والسيطرة الداخلية دون الاعتماد المفرط على القوات البريطانية فتم تأسيس قوات الليفي كقوة شبه نظامية تضم عناصر من العرب والآشوريين والأكراد والتركمان والمندائيين واليزيديين.

لكن اعتبارًا من عام 1922 تحوّل التجنيد كليًا تقريبًا لصالح الآشوريين الذين اعتبرتهم بريطانيا الأكثر ولاءً وانضباطًا ومهنية وقرب كونهم من المسيحيين وتم تحويل الليفي إلى قوة إثنية خالصة تقريبًا بقيادة ضباط بريطانيين حصريًا.

ثانيًا: البناء التنظيمي والعرقي

اعتمد البريطانيون سياسة “فرق تسد” في تشكيل الليفي. وقد جرى تنظيم القوة بطريقة تضمن تفتيت الولاء الوطني ومنع الانسجام القومي فكانت مكونة على النحو الآتي:

  • الآشوريون: العنصر الأبرز والأكثر تدريبًا وتسليحًا والأفضل تجهيزاً ووُضعوا في الخطوط الأمامية لحماية القواعد الجوية والقيام بالمهام القتالية.
  • الأكراد: تم تسليحهم وتدريبهم واستُخدموا خصوصًا في الحروب والمهمات الجبلية كونهم يتميزون بالياقة البدنية العالية في تسلق الجبال لمعرفتهم بطبيعة الأرض والجغرافية.
  • التركمان واليزيديون والمندائيون: وُظفوا في مهام الحراسة و الاستطلاع.
  • عرب الجنوب: اقتصر دورهم على الفترات الأولى من الاحتلال قبل أن يُمنع تجنيدهم رسميًا عام 1922 ودمجهم في الجيش الوطني العراقي.

احتفظ الضباط البريطانيون بكامل السيطرة على القيادة والتخطيط ولم يُسمح للعراقيين بالوصول إلى المناصب العليا ضمن الليفي وكان اغلب المنتسبين لا يجيدون القراءة والكتابة لمنعهم من التعلم و قراءة الكتب والمراسلات البريطانية وضمان عدم تدوين اي معلومات تخص الجيش البريطاني.

ثالثًا: المهام العسكرية والاستراتيجية

لعبت قوات الليفي دورًا محوريًا في تأمين المصالح البريطانية وأدت مهامًا متعددة من أبرزها:

  • حماية القواعد البريطانية: مثل قاعدة الحبانية والشعيبة وكركوك حيث تمركز سلاح الجو الملكي البريطاني (RAF).
  • قمع الانتفاضات والثورات: واجهت الليفي ثورة العشرين وشاركت في قتال ضد القوات العراقية في انتفاضة 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني.
  • دور استخباري داخلي: تولت مراقبة العشائر العربية وقمع حركات المقاومة وجمع المعلومات عن التحركات الوطنية ونفذت اعتقالات وتدخلات أمنية بناءً على التوجيهات البريطانية.
  • دور عسكري خارجي: بعد عام 1942 أُرسل عدد من وحدات الليفي للمشاركة في بعض مسارح الحرب العالمية الثانية خصوصًا لحراسة المطارات والمخازن البريطانية خارج الحدود العراقية.

رابعًا: الليفي كأداة للتقسيم والسيطرة

لم تكن قوات الليفي مجرد تشكيل أمني بل كانت جزءًا من مشروع سياسي–استعماري أوسع تمثل في:

  • خلق انقسامات عرقية: من خلال منح امتيازات للآشوريين والأكراد وتمييزهم ماديًا وإداريًا عن العرب.
  • إضعاف مشروع الجيش الوطني: عبر وجود قوة عسكرية موازية للجيش الوطني و منفصلة عن وزارة الدفاع العراقية وذراع بريطاني قوي ما شكّل تحديًا للسيادة وبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
  • بثّ الكراهية والانقسام: حيث أصبح يُنظر إلى الليفي في بعض الأوساط الشعبية على أنها “قوة خائنة” واذرع تعمل لصالح الاحتلال.
  • ترسيخ النفوذ البريطاني: لم تكن الحكومة البريطانية تثق بالجيش العراقي الجديد فاحتفظت بقوات الليفي الموالية كذراع ضاربة تحمي بها مصالحها داخل العراق خامسًا: نهاية قوات الليفي وأثرها المستمر

بدأت الضغوط تتصاعد على الوجود البريطاني في العراق بعد الاستقلال الاسمي عام 1932 وبلغت ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من إعادة تنظيم الليفي تحت اسم “قوة حماية القواعد” إلا أن الظروف السياسية الجديدة فرضت إلغاءها تدريجيًا.

في عام 1955 تم حل قوات الليفي نهائيًا وتم دمج بعض أفرادها  في الجيش العراقي وتم احالتهم الى التقاعد لعدم الوثوق بهم وعدم اجادتهم القراءة والكتابة بينما هاجر  الاغلبية  إلى بريطانيا أو أستراليا خاصة الآشوريين خشية الانتقام منهم بعد فقدان الحماية البريطانية.

لكن إرث الليفي لم يختفِ بسهولة فقد تركت هذه القوة أثرًا كبيرًا في بنية الوعي الوطني والذاكرة العراقية باعتبارها نموذجًا لتقسيم الوطن باسم الأمن ومثالًا على كيفية استخدام الأقليات كأدوات للنفوذ الخارجي.

*جنود من خارج الحدود

مقارنة  بين قوات الغوركا والليفي في منظومة الجيش البريطاني

أولًا: النشأة والسياق الاستعماري

  • الغوركا: نشأت بعد الحرب الأنغلو-نيبالية (1814–1816) حين أُعجب البريطانيون بشجاعة الجنود النيباليين فبدأوا بتجنيدهم ضمن الجيش البريطاني. الغوركا لم يكونوا من مستعمرات بريطانيا بل من دولة مستقلة (نيبال) تُزود بريطانيا بالمقاتلين وفق اتفاقيات.
  • الليفي: تأسست أثناء الاحتلال البريطاني للعراق عام 1915 وتطورت بعد إعلان الانتداب البريطاني رسميًا عام 1920. كانت مهمتها الأساسية حماية القواعد والمنشآت البريطانية وقمع الحركات الوطنية العراقية.

 ثانيًا: التركيب العرقي والاجتماعي

  • قوات الغوركا: تم تجنيدهم من جماعات جبلية معينة في نيبال مثل “الراي” و”الليمبو” و”الماغار”. تميزوا بالولاء والانضباط وكانوا بعيدين عن صراعات الشرق الأوسط السياسية.
  • قوات الليفي: اعتمد البريطانيون على الأقليات (الآشوريين، اليزيديين، الأكراد)، وهمّشوا العرب الا بعض العشائر من الجنوب خشية الولاء الوطني. استخدموا التنوع العرقي كوسيلة لضمان السيطرة ومنع تشكل وحدة قومية داخل صفوف الليفي.

 ثالثًا: المهام والدور العسكري

  • الغوركا: قاتلوا إلى جانب بريطانيا في معظم حروبها من الهند إلى بورما ومن أوروبا إلى جزر فوكلاند ولا يزالون يخدمون في الجيش البريطاني حتى اليوم كوحدة نخبوية.
  • الليفي: اقتصرت مهامهم على حماية القواعد الجوية (الحبانية، الشعيبة، كركوك) قمع الثورات المحلية (ثورة العشرين، حركة رشيد عالي الكيلاني) وتأمين خطوط النقل العسكري. لم يُمنحوا فرصة المشاركة الخارجية كقوة قتالية محترفة.

 رابعًا: العقيدة والانضباط

  • الغوركا: خضعوا لنظام تدريب بريطاني صارم وتسلّحوا بالخنجر “الكوكري” الشهير وكانوا يتمتعون بعقيدة عسكرية متماسكة تركز على الشرف و الطاعة والاحتراف.
  • الليفي: تلقّوا تدريبًا محدودًا وانصب تركيزهم على مهام الأمن الداخلي. لم يُمنحوا هوية عسكرية وطنية بل ارتبطت عقيدتهم بخدمة القائد البريطاني فقط مما قلّل من تكاملهم مع مشروع بناء الدولة العراقية.

 خامسًا: النهاية والمآل

  • الغوركا: لا يزالون موجودين ضمن الجيش البريطاني ويتمتعون بمكانة عالية وشهرة دولية رغم الجدل حول حقوقهم في المعاشات والإقامة.
  • الليفي: تم حلهم رسميًا عام 1955 بعد استقلال العراق وتنامي الوعي الوطني. هاجر العديد منهم إلى بريطانيا وأستراليا وبقيت صورتهم مثار جدل في الذاكرة العراقية.

الاستنتاجات

فشل الدمج دون تفكيك كامل للفصائل:

لا يمكن دمج الفصائل المسلحة الغير منضبطة وذات ولاءات خارجية في القوات الأمنية الوطنية دون أن يؤدي ذلك إلى تصدعات عميقة في بنية الدولة ومؤسساتها.

غياب الانضباط واختلال القيادة:

تعتمد الجيوش الوطنية على الضبط العسكري الصارم وطاعة الأوامر ومبدأ وحدة القيادة والقدم والتسلسل العسكري  بينما تقوم الفصائل المسلحة على قرارات فردية من قبل أمراء الحرب و ولاءات ضيقة وتبعيات خارج منظومة الدولة ما يتعارض جذريًا مع  الولاء الوطني والانضباط العسكري المطلوب.

تعدد الولاءات يُقوّض السيادة:

وجود عناصر تحمل ولاءات عقائدية أو سياسية أو طائفية داخل القوات الأمنية يهدد وحدة القرار الوطني ويضعف من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء دورها السيادي بشكل مستقل.

تجارب الدمج السابقة كشاهد فشل:

أظهرت النماذج التاريخية في سوريا وليبيا واليمن والسودان أن دمج الفصائل  أدى إلى نتائج كارثية من تفكك المنظومة الأمنية إلى إشعال صراعات  داخلية مسلحة.

الحل في بناء جيش مهني مستقل:

التجربة أثبتت أن الطريق الآمن نحو الاستقرار وبناء الدولة يكمن في تأسيس جيش وطني موحد بعيداً عن الأحزاب السياسية والتشكيلات الموازية قائم على الانتماء للوطن لا للانتماءات الطائفية أو الأيديولوجية.

الخاتمة

الجيوش لا تبنى من العملاء ، تُعد تجربة قوات الليفي شاهدًا حيًا على خطورة تشكيل جيوش ومليشيات موازية بمرجعيات استعمارية وولاءات غير وطنية. فمهما كانت كفاءة هذه التشكيلات في تنفيذ المهام فإنها تهدد نسيج الدولة وتعيق بناء جيش موحد مستقل.

لقد خدمت الليفي مصالح الإمبراطورية البريطانية بكفاءة  لكنها لم تخدم العراق بل زادت من تعقيد مشروعه الوطني وأسهمت في تأخير بناء جيشه الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *