خلال الأسابيع الماضية، أعلنت مجموعة من الدول الغربية، من بينها فرنسا وبريطانيا، أنها ستعترف قريبًا بدولة فلسطين في حال استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة. وفي أعقاب هذا التوجّه، أعربت كندا وألمانيا ومالطا عن نيتهن الانضمام إلى هذه المبادرة، رغم تراجع ألمانيا السريع عن موقفها. يأتي هذا التحوّل غير المسبوق في وقت تخوض فيه إسرائيل حربًا دموية ضد حركة حماس، وفي خضم أزمة إنسانية غير معهودة في غزة، حيث تبدو إسرائيل بحاجة ماسّة أكثر من أي وقت مضى إلى دعم حلفائها التقليديين. هذا التطوّر قد يحمل في طيّاته تبعات سياسية وأمنية ودبلوماسية عميقة، سيتم استعراضها في هذا التقرير.
الضغط على إسرائيل
قد يبدو للوهلة الأولى أن مثل هذا التحرك، إذا تحوّل إلى موجة تتبناها دول أخرى، سيقود حتمًا إلى انتصار سياسي للفلسطينيين وعزلة دبلوماسية لإسرائيل. إلا أن الواقع أشد تعقيدًا. ما هو مؤكد، أن هذه الحملة ستُشكّل ضغطًا واضحًا على إسرائيل، لا سيّما في ساحة الرأي العام والعلاقات الدبلوماسية، إذ إن أحد أركان الدعم التاريخي لإسرائيل كان الدعم الغربي المطلق، وخصوصًا من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. إلا أن مشهد اليوم يشهد وقوف عضوين دائمين في مجلس الأمن (فرنسا وبريطانيا) في مواجهة تل أبيب عبر تهديد دبلوماسي مباشر. ولذا، جاءت ردود فعل تل أبيب، وخصوصًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية (لا سيما دونالد ترامب)، حادّة ورافضة بشدة لهذا التوجّه.
تحدٍّ في الأيديولوجية الليبرالية الغربية
لكن هل يمكن تفسير هذا الموقف الأوروبي على أنه مجرد صحوة إنسانية متأخرة؟ أم أن ثمة دوافع أعمق تقف خلفه؟ الحقيقة أن هذا التصدّع في جبهة الغرب لا ينبع من تعاطف طارئ، بل من أزمة بنيوية في الخطاب الليبرالي ذاته. فالغرب الذي تجاوز بصمت انتهاكات صارخة في فيتنام، كمبوديا، العراق وأفغانستان، ودعم طويل الأمد لإسرائيل، لم يشهد شقّاً كهذا سابقًا.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي حطّمت احتكار السردية الرسمية، وجعلت من الصعب التلاعب بالمعلومات أو حجب صور المعاناة. وفي المقابل، أظهرت إسرائيل خلال حربها الأخيرة درجة غير مسبوقة من الوحشية، بما في ذلك الحصار الكامل على المدنيين ومنعهم من الغذاء والماء والدواء، في انتهاك فاضح لكل المواثيق الحقوقية.
لطالما تبنّت الدول الغربية خطاب “الليبرالية الديمقراطية” الذي يقوم على احترام الحريات وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها علی الديمقراطية. وهذا ما يمنح قراراتها السياسية شرعية أمام شعوبها. فإذا تخلّت الحكومات الغربية عن هذا الخطاب، فإنها تُهدّد شرعيتها الداخلية، وتدخل في معظلة الشرعیة ثم أزمة الشرعية مع مواطنيها. فمثلًا، حين احتل الولايات المتحدة العراق عام 2003، استطاعت تبرير الحرب أمام الرأي العام الغربي عبر مزاعم أسلحة الدمار الشامل والدفاع عن الديمقراطية. أما اليوم، فإن الجرائم الإسرائيلية، التي تُرتكب على مرأى ومسمع العالم، لا يمكن تبريرها بأي من شعارات الليبرالية.
من هنا، يبدو أن موقف فرنسا وبريطانيا، وربما لاحقًا دول أخرى، لا ينبع من تغيير في المواقف تجاه القضية الفلسطينية بقدر ما هو محاولة داخلية لتجنّب السقوط في مستنقع فقدان الشرعية أمام شعوبهم.
الحل الأوروبي، ليس بالضرورة حلاً فلسطينياً
لطالما دعت الدول الأوروبية إلى “حل الدولتين” كخيار لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تعيش دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل ضمن حدود متفق عليها. وفي مواقفهما الأخيرة، أكدت كل من فرنسا وبريطانيا تمسّكهما بهذا الطرح. وقد صرّحت باريس صراحة أن الاعتراف بفلسطين في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون مشروطًا بحل حركة حماس وتحييد دورها السياسي في مستقبل الدولة الفلسطينية.
هذا الطرح يحظى بدعم من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبعض الدول العربية، لكنه يقابل رفضًا قاطعًا من إسرائيل، والولايات المتحدة، وإيران، وأطراف من محور المقاومة. وبالتالي، فإن خطوة الاعتراف الأوروبي – رغم رمزيتها- لن تغيّر بشكل مباشر في واقع الاحتلال أو توقف العدوان، لكنها قد تمنح دفعة معنوية للحق الفلسطيني في الساحات الدبلوماسية.
من هذا المنطلق، قد تكون هذه المبادرة ذات فائدة مؤقتة لمحور المقاومة ولفلسطين على المدى القصير، عبر زيادة الضغط السياسي على إسرائيل، إلا أنها في المدى البعيد، لا تتقاطع بالضرورة مع الأهداف الاستراتيجية للفلسطينيين أو الحركات المقاومة.
ردود الأفعال الإسرائيلية
عادة ما تكون ردود الفعل الإسرائيلية تجاه الضغوط الدولية بعيدة عن العقلانية السياسية. بل تشير التجارب إلى أن إسرائيل، تحت وطأة الضغوط، غالبًا ما تلجأ إلى تصعيد غير مبرر، وتوسيع في نطاق القمع والعدوان. وقد درج رئيس الوزراء نتنياهو على هذا النمط من السلوك لأسباب واضحة: أولًا، كلما تفاقمت الأزمة، تسارعت الولايات المتحدة إلى التدخل وتقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل. وثانيًا، يتيح هذا التصعيد لنتنياهو الفرصة لإعادة لمّ شمل الجبهة الداخلية، وتحييد المعارضة، والبقاء في موقعه السياسي.
بالتالي، فإن الضغوط الدبلوماسية وحدها، دون إجراءات ملموسة وملزمة، قد لا تؤتي ثمارها المرجوة، بل ربما تدفع إسرائيل نحو مزيد من التطرّف، وتُفاقم معاناة سكان غزة.
خاتمة
إن اعتراف بعض الدول الأوروبية بدولة فلسطين يُعدّ خطوة سياسية ذات أبعاد رمزية وقانونية ودبلوماسية، من شأنها أن تعيد تسليط الضوء على القضية الفلسطينية في المحافل الدولية. ومع ذلك، فإن أثرها الفعلي على أرض الواقع سيظل محدودًا ما لم تُرفَق بتنسيق إقليمي حقيقي، واحترام لإرادة الشعب الفلسطيني، ودعم من المؤسسات الدولية.
وبغياب تلك الشروط، قد يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مجرّد محاولة من أوروبا للتعبير عن استيائها من الوضع الراهن، أكثر من كونها مبادرة حقيقية لتغيير المعادلة القائمة.


