يقول المثل الشعبي ،الله لا يسلط عليك لا حاكم ولا حكيم. وهو قول يحمل في طياته تجربة عميقة من معاناة الشعوب مع السلطة من جهة، ومع بعض أهل الطب حين تغيب عنهم الرحمة من جهة أخرى.
وفي العراق، حيث كل شيء يمكن أن يكون مقدمة لمرض، الماء، الهواء، الأكل، التوتر، القلق، التلوث، الفقر… يصبح الطبيب هو الوجه الآخر للقدر. فإن شاء الله أن يبتليك بالمرض، فقد يسلط عليك طبيب لا يعرف من الحكمة إلا لقبها، ومن الإنسانية إلا قَسم يحفظه في جيبه لا في ضميره.
ليست هذه مبالغة، بل توصيف لواقع يتكرر يوميا في عيادات أهلية وأسرة مستشفيات وممرات طوارئ، حيث تتحول المهنة الأسمى، الطب، إلى فرصة للربح السريع والتكسب على حساب أرواح أنهكها الوجع والفقر وانعدام الخيارات. في العراق اليوم، لا توجد أزمة في عدد الأطباء، بل في نوعية الالتزام، وفي انهيار الأخلاقيات المهنية، وفي غياب منظومة رادعة تنظم وتراقب وتحاسب.
الدولة ، ما زالت تحاول، بنية صادقة أو بعقلية تقليدية ، توفير العلاج، الأدوية، والكوادر، سواء عبر المستشفيات العامة أو برامج التعاون مع الخارج. لكن الطبيب، أو لنقل بعض الأطباء ممن نسى رسالته، يرى في هذه الموارد فرصة للاستغلال، لا خدمة للناس. يجمع بين راتب حكومي، وعيادة خاصة، وأدوية مسروقة من مستودعات الدولة، ومعاملات تؤخر في المستشفى لتسرّع في العيادة، في مشهد يومي يضرب قسم أبقراط في الصميم.
المفارقة أن هذا الجشع لا يأتي فقط من قلة علم أو ضعف تدريب، بل من انعدام رادع أخلاقي وقانوني. لا توجد نقابة تحاسب بجدية، ولا وزارة توقف الفساد داخل منظومتها، ولا قانون يطبق على من يتاجر بالألم باسم التخصص. أما المواطن، فبينه وبين الطب شبكة معقدة من الوساطات، والمعارف، والتوصيات، وأحيانا الإذلال، وكل ذلك فقط ليحظى بمعاينة محترمة، أو بدواء ضروري، أو بسرير لا يتعرض فيه للإهانة.
لقد تحول الطبيب في الكثير من الحالات من رمز للثقة إلى عبء مادي ونفسي. فالعلاج اليوم ليس متاح لمن يحتاجه، بل لمن يملك ثمنه. والأسعار في العيادات الخاصة وصلت إلى أرقام فاحشة، لا تمت للواقع المعيشي بصلة. جلسة الاستشارة التي لا تتعدى عشر دقائق قد تكلف راتب أسبوع، وربما تنتهي بوصفة تفتح باب لصرف المزيد. وكل ذلك يحدث في بلد يعاني من نسب فقر مرتفعة، وبنية صحية مهترئة، وغياب شبه تام للرقابة المؤسساتية.
ولا يخفى أن الأطباء في العراق يعيشون هم أيضا تحت ضغط بيئة صعبة، انقطاع الكهرباء، نقص الأجهزة، تدني الرواتب، غياب الأمن في بعض المناطق، وهجرة العقول المستمرة. لكن هذه العوامل لا تبرر التواطؤ مع منطق السوق على حساب أخلاقيات المهنة. فكل مهنة لها تحدياتها، لكن ليست كل مهنة تتعامل مع حياة الإنسان بهذا الشكل المباشر.
من المؤلم أن ترى أطباء شباب يتخرجون من كليات الطب، لا ليحملوا الرسالة، بل ليبدؤوا من أول يوم ببناء العيادة، لا السيرة. ينظر إلى المريض كمصدر دخل، لا كأمانة في عنقهم. تتكرر النصيحة بين الطلاب، لا تضيع وقتك في المستشفى، افتح لك باب رزق! ويغيب الحديث عن المسؤولية، والرحمة، والتواضع أمام الألم الإنساني.
ما يحتاجه العراق اليوم ليس فقط تحسين نظامه الصحي، بل إعادة تعريف مهنة الطب من جديد. نحتاج إلى استعادة القسم المفقود، وإلى خطاب يعيد الاعتبار للطب كعلم أخلاقي لا كوسيلة للثراء. نحتاج إلى قوانين تفعل بصرامة، ونقابات تحاسب دون مجاملة، ووزارات لا تدار بالمجاملات والتوازنات، بل بروح الخدمة العامة.
أما الناس، فليس لهم ملجأ إلا الله، ثم بعض الضمائر الحية التي لم تغوها الأموال ولا خنقتها البيئة الفاسدة. هؤلاء الأطباء، الذين ما زالوا يلمسون المريض قبل أن يلمسوا جيبه، هم الأمل الباقي في عتمة المشهد. لكنهم أقلية، وأمامهم واقع يزداد وحشية كل يوم، ما لم نصرخ جميعا، أن الطب ليس تجارة، وأن من اختار أن يكون طبيب قد اختار طريق من الرحمة لا الربح.


