إنّ من أهم المركبات النصّية في المنظور النصّي، هو المركب اللغوي، والذي يقودنا في الوقت نفسه إلى اللغة الدلاليّة، ومن الممكن جداً أن نفرّق بين التركيب اللغوي الذي يتحقق بسبب الروابط النحويّة، والاندماج الذي يتحقق من خلال الوسائل الدلالية، ولكن عملية الاندماج والتماسك النصّي تتم، لأن النصّ بالخصوص له ميزته التعيينية من خلال اللغة التي تظهر أيضاً في العلوم الأخرى كعلم الوضع.
تشغل المركبات اللغوية أجهزة النصّ من البناء النّصّي الداخلي والخارجي، إلى التلقي، أي تكون نظرية التلقي سارية التفعيل عندما يكون النصّ رسالة مرسلة إلى المرسَل إليه، ويشكّل المتلقي الجزء النصّي حسب المفاهيم الإشاريّة التي تتفعّل من خلال النصّ الشعري الحديث؛ ويكون لأولوية التلقي خضوع المعنى أو التأويل إلى خاصيّة تأثيرية، أي أنّ التصوّرات والصور وعناصر الدهشة تجتمع في منظور التأثيريّة والتي تشكّل حتمية البلوغ النصّي الجزء المكمّل والمنسجم مع القدرة النصّية.
عندما نطرق هذه الأبواب التي ذكرناها، فهناك علاقات تظهر من خلالها، مثلا؛ العلاقات الرّمزيّة، العلاقات الإشاريّة، علاقات حركة النصّ من خلال دلالة الأفعال، كلّ هذه الأشياء تجتمع أحياناً في منظور نصّي واحد، فيكون للجمل الشعرية امتدادها بعدّة اتجاهات ومنها؛ الامتداد الجمالي التأثيري؛ والامتداد التأويلي، والامتداد التفكيكي النصّي. لاتنتهي تعدّدية الامتدادت من خلال النصّ الشعري، فهو يحوي على عوالم عديدة قابلة للتفاعل مع الذات الحقيقيّة، وتتفاعل بقوّة أيضاً من خلال التأثيرية، حيث تستند الأحلام (أحلام الشاعر) على مبيّنات سببيّة، وهذا مانلاحظه في قصيدة (الموت يحسن إدارة وقته) للشاعرة الجزائريّة رزيقة بوسالم.
الموت يحسن إدارة وقته، للشاعرة الجزائرية رزيقة بوسالم، لنتوقف قليلاً في محطة العنونة والتي تعتبر خاصية سيميوطيقية مستقلة.
حين يتمّ الكشف عن تحوّلات العنوان وارتباطه إمّا بالشخص الغائب أو بالنصّ الحاضر؛ حيث يكون قد تعلق بوظيفة امتداديّة، فاللاحق يرتبط بالسابق، وهي علاقة الجمل التي تظهر من خلال المعاني والتأويلات التي تشكّل رمزية علائقية لتكوين الدلالات والتي تصبح بديلة المنظور النصّي. وهنا نلاحظ أنّ الشخص الغائب هو الموت، فأصبح الموت كائناً حركيّاً.
إنّ استقلالية العنوان بصيغته السميوطيقية، لا يعني ألا يشكّل علاقاته النصّية، فهو الجزء الأوّل كنصّ مصغر، لا نستطيع الاستغناء عنه طالما يكوّن علاقاته النصّية فيكون أداة من أدوات النصّ، ولكن ليس كأي أداة بسيطة من الممكن أن نستغني عنها؛ مثلا، اختارت الشاعرة الجزائريّة رزيقة بوسالم عنوان نصّها المكتوب من خلال علاقته مع الجسد النصّي، فأصبح النصّ ممتداً بالتقطيع:
الموت يحسن إدارة وقته/ الكثيرُ من الموتِ لا يُلغي الحياة + هذه الذَّابحَة جدّاً + الشّقيقة جدّاً + العدوّ جدّاً..
لا يمكننا التحدّث عن مفردات وحدها في المنظور النصّي، وإنّما هناك علاقات متواصلة من خلال النسق التركيبي، وهذا يعني أنّ هناك علاقات جديدة من خلال التراكيب النحوية واللغوية، حيث أنّ المفردة تفقد معناها وتنتمي إلى معنى النسق التركيبي، والذي نلاحظه من خلال الأنساق التي أطلقتها الشاعرة الجزائرية رزيقة بوسالم، حيث جعلت العنونة ذات علاقة تواصليّة مع الجسد النصّي، لذلك فقد ربطت الجزء ( العنوان ) بالكلّ، وجعلت الكلّ يحتاج الجزء.
(2)
إذا تلمّسنا جداراً
هذا يعني تفادي سُقوطه،
وأنَّنَا في الطّريق السّليم لإصلاح فِكرة المَشي المستقيم جنب الحائط الحذر.
(3)
حتّى الموتُ مسكينٌ
لا نظنّه بتلك القُوّة الهائلة
اَلَّتِي تُخضعُنا لسكونهِ المُدوّي.
من قصيدة: الموت يحسن إدارة وقته – رزيقة بوسالم
تعتبر الدلالة ( Semantics ) من الفروع المهمة في علم اللسانيات، لذلك فإنّ ارتباطها بالمعنى والتأويل، هو ارتباط اندماجيّ، فتظهر تارة من خلال اللغة الدلاليّة، وتظهر ثانية من خلال المعاني، وكذلك تكون دالة على المسمّيات دون ظهور واضح. ومن هنا، فإنّ السياق هو الذي يحدّد دلالة المفردة، وذلك من خلال التركيب اللغوي الذي تعدّ أهميته من أهمية المنظور النصّي، وبواسطتها يتعرف المتلقي على الحركة النصّية، ولكن في الوقت نفسه، فقد أكد الأقدمون على أنواع من الدلالات ولكن كانت محصورة بأبعاد معينة مثلا:
( الدلالة الصوتية، والدلالة الصرفية، والدلالة النحوية، والدلالة المعجمية )، ولكن في عصرنا الحديث بالإضافة إلى هذه التعدّدية هناك تعدّدية مرتبطة بها من خلال النصّ المعاصر وسبل تفكيكه فقد كثرت المصطلحات وتعدّدت الدلالات ومنها: ( الدلالة المعجمية، والمركزية، والأساسيّة، والتصوّرية، والإدراكية، والإضافية والعرضية والتضمنية، والنفسية، والإيحائية، والسياقية – علم الدلالة في المعجم العربي – ص 6 – د. عبد القادر سلامي ).
إذا تلمّسنا جداراً + هذا يعني تفادي سُقوطه، + وأنَّنَا في الطّريق السّليم لإصلاح فِكرة المَشي المستقيم جنب الحائط الحذر.
حتّى الموتُ مسكينٌ + لا نظنّه بتلك القُوّة الهائلة + اَلَّتِي تُخضعُنا لسكونهِ المُدوّي.
تقودنا الشاعرة الجزائرية رزيقة بو سالم إلى ثقافة الحياة والموت، فهي تشر إلى بعض الأشياء وتوظفها رموزا لنصّها المكتوب، وكذلك تجعلنا متسامرين معها بلذة الحياة، فالجدار، يعني الوقوف مثله، وهي تستخدم حالة التشبيه من المكون الاستعاري للأشياء التي في وظيفتها النصّية.
تنقلنا الشاعرة إلى التأمّل في الحياة، كأنّها تقول للآخر، الموت لا يعني كلّ الأشياء التي يحتويها، وفي الوقت نفسه تسعى إلى أن يكون الموت وهماً من الأوهام، وخصوصاً أنّها شاعرة شابة، وتستطيع أن تكون عنصراً اتصالياً مع الحياة، لذلك فعمليات التشبيه التي اعتمدتها مفهوماً علائقياً بينها وبين المعاني التي انطلقت منها. وتشكّل التراكيب اللغويّة مع الأشياء، صفة تصنيفيّة بأسسٍ على مستوى الصور الشعريّة، والذهنيّة، لكي تعكس معرفتها النصّية.
هناك المكونات العائمة في الذات الحقيقيّة، وهناك بالأصل مكوّنات إمّا ماضوية أو آنية أو مستقبلية، لذلك ومن خلال ادغامها الباطني، نستطيع أن نكون معها باتجاهين، الاتجاه الداخلي ” الباطني ” غير المعلن عنه وذلك لعدم ظهوره المباشر، والاتجاه الخارجي المعلن عنه، وذلك بسبب تواجده المباشر، وقد يكون بين الأشياء أو بين الأشياء المرئية.
(4)
وأريدُ أن أكونَ في الحبّ خليَّة سرطانية
لا تشبعُ إلاّ إذا أكلت الجميع.
(5)
فالخوفُ إذن ناتج عن فكرة البناء لا كيفية الهَدم
ولا تُوجد فرصة أكثر نجاحاً
من أن تغمرنا الدَّهشة ونحنُ نتهاوَى في العدم.
(6)
غرام زائدٌ عن المقدارِ المحدَّدِ للشّك
يُفسدُ طبعي
لأنّي ثقةٌ عمياءُ ولدْتُ بقلب حَليبي وروحٌ سُكّرة.
من قصيدة: الموت يحسن إدارة وقته – رزيقة بوسالم
تعتبر الكلمة المفردة دالة على معناها، ولكن تغيير المعنى يتم بعدة اتجاهات، منها؛ التركيب اللغوي، وبه نحصل على معنى جديد، ومنها التركيب النحوي أيضاً، ولكن هناك انزياح المفردة في كل تركيب توظفها الشاعرة، فالذي نلاحظه من خلال المنظور النصّي لدى الشاعرة رزيقة، فالمائدة التي تربّعت عليها كانت: أريدُ أن أكونَ + الخوفُ إذن ناتج عن فكرة البناء + غرام زائدٌ عن المقدارِ + لأنّي ثقةٌ عمياءُ = هذه التراكيب التواصليّة لا نستطيع أن نبعدها عن الأجوبة التي رسمتها الشاعرة، ولا نستطيع أن نبعد المفردات، فكلّ مفردة متعلقة بالأخرى، إن كانت على المستوى الزمني، أو اللغوي، أو التأويلي.
يعتبر فنّ الاستعارة من الفنون المؤثرة في المنظور الشعري، فلو أخذنا افتراضات الشاعرة رزيقا بوسالم، فسوف توصلنا إلى لغة مختلفة بداية من أوّل وحدة لغوية، فالوجه الآخر للموت لم يتم توضيحه، ولكن في الوقت نفسه وضّحت الجمل من خلال توظيف الرمزية التي أشارت وهللت في حدائقها.
تعال نَموتُ + نُشارك الصّمت صَمتهُ + ونمضغُ الفراغ + حتّى كأنّنا شاهدينِ بزوجيْ عيونٍ مُطمئنّة + فقط + ضُمَّني إليكَ حتّى طُلوع الرّوح من بين أضلعي
يُقربنا الموتُ من بعض + ونبْحثُ + في محرك البحث عن صوت شبيهٍ + عن أثرةٍ + عن بطلِ رواية + لنتعارفَ أكثر + ولو أنّهُ( الموتُ عملٌ شاق* ) + فقد يكون سهلاً جدّاً على من عاش + متلبِّساً بضحكة.
إن توظيف الاستعارة التصوّرية يمنح النصّ اختلافات لغويّة، ولكن ما نلاحظه أنّ الشاعرة تقترب من النهاية ومن الحياة، وهما شيئان متوازيان في التصوّر الذاتي؛ لذلك فإنّ اللغة الشعرية تخطو خطواتها وراء ذلك، ومن هنا نقيس الرمزيّة التي قادت المعنى، حيث أن المشار إليه يعتبر شيئاً من الأشياء المحذوفة (تعال نموت)، إذن، هناك من يشاركها بهذا الموت، بين المقترب والمبتعد، وهي تخطو مع ثلاثة عناصر مختلفة في الذات الحركيّة ( لأن المأخوذ أمامنا هو المعنى، والرمز والإشارة )، فعندما نقول الكلمة، كرسم منظور أو كرسم خيالي تقديريّ، فالكلمة تصبح فاعلة، لأنّ سيرتها سيرة معنى وهو المعنى التركيبي الجديد، كما تحدّثنا الشاعرة رزيقة بوسالم عبر أبواب ومنافذ قصيدتها (الموت يحسن إدارة وقته)، فمعرفة الموت يخاطب الزمن المحسوس واللامحسوس، لذلك يكون اقتراب الأشياء من خلال علامة الرمز الذي يطفو بوضوحه الدلالي، وقد أصبح معرفة من المعارف، حيث تشكّل الاستعارة والتشبيه والإشارة معارف كتابيّة في النصّ الشعري. وعندما دلّت الشاعرة إلى الموت، نلاحظ أنّها تستعين بعنوان مقارب لنصّها (الموت عمل شاق) كما أشارت بحاشيتها إلى رواية للكاتب السوري الراحل خالد خليفة.
(يقول لايكوف إنّه وجد المظاهر المختلفة للبنية الحدث، بما فيها من تصوّرات مثل الحالات، والتغيّرات، والصيرورات، والأفعال، والأسباب، والأغراض، والوسائل، تتخصّص معرفياً عن طريق الاستعارة من خلال الفضاء، والحركة، والقوّة. – د. عمر بن دحمان – من كتاب: الاستعارة التصوّرية والخطاب الأدبي – ص 191).
من خلال نصّها التقطيعي، والذي حمل عدّة أرقام، نلاحظ أن التقطيع ساعد على توزيع المعاني، وأختلفت التراكيب بين مقطع وآخر، فالربط النصّي العام لدى الشاعرة ينحو:
-الموت، دلالة تصوّرية غير محسوسة، وحتى الزمن كان غائباً.
-كلّ المقاطع، هي وسائل للوصول إلى مسارات ذهنية، وقد أثارت من خلالها مفردة الموت.
-وظائف الأفعال، كانت بين الاندفاع الحركي والانتقالي والتموضعي.
الموت يحسن إدارة وقته
رزيقة بوسالم – الجزائر
(1)
الكثيرُ من الموتِ لا يُلغي الحياة
هذه الذَّابحَة جدًّا
الشّقيقة جدًّا
العدوّ جدًّا.
(2)
إذا تلمّسنا جدارًا
هذا يعني تفادي سُقوطه،
وأنَّنَا في الطّريق السّليم لإصلاح فِكرة المَشي المستقيم جنب الحائط الحذر.
(3)
حتّى الموتُ مسكينٌ
لا نظنّه بتلك القُوّة الهائلة
اَلَّتِي تُخضعُنا لسكونهِ المُدوّي.
(4)
وأريدُ أن أكونَ في الحبّ خليَّة سرطانية
لا تشبعُ إلاّ إذا أكلت الجميع.
(5)
فالخوفُ إذن ناتج عن فكرة البناء لا كيفية الهَدم
ولا تُوجد فرصة أكثر نجاحًا
من أن تغمرنا الدَّهشة ونحنُ نتهاوَى في العدم.
(6)
1 غرام زائدٌ عن المقدارِ المحدَّدِ للشّك
يُفسدُ طبعي
لأنّي ثقةٌ عمياءُ ولدْتُ بقلب حَليبي وروحٌ سُكّرة.
(7)
تعال نَموتُ
نُشارك الصّمت صَمتهُ
ونمضغُ الفراغ
حتّى كأنّنا شاهدينِ بزوجيْ عيونٍ مُطمئنّة
فقط
ضُمَّني إليكَ حتّى طُلوع الرّوح من بين أضلعي
وأقولُ
قتلني الحبّ ذلك
الموت الشّديد.
يُقربنا الموتُ من بعض
ونبْحثُ
في محرك البحث عن صوت شبيهٍ
عن أثرةٍ
عن بطلِ رواية
لنتعارفَ أكثر
ولو أنّهُ (الموتُ عملٌ شاق*)
فقد يكون سهلاً جدّاً على
من عاش
متلبِّساً بضحكة.
…
*عنوان رواية الروائي السوري الراحل خالد خليفة.
