نمو المفاهيم المختلفة والتخيل الذاتي في قصيدة “رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد” للشاعرة العراقية أمل عايد البابلي

نمو المفاهيم المختلفة والتخيل الذاتي في قصيدة "رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد" للشاعرة العراقية أمل عايد البابلي
تختلف المفاهيم عن بعضها من خلال النصّ الواحد حسب القيمة الفنية لمعنى المعنى وحسب الحالات الاستدلاليّة التي تؤدّي إلى صيغ جديدة بحكم الجمل التركيبيّة...

تختلف المفاهيم عن بعضها من خلال النصّ الواحد حسب القيمة الفنية لمعنى المعنى وحسب الحالات الاستدلاليّة التي تؤدّي إلى صيغ جديدة بحكم الجمل التركيبيّة والتي تمتدّ على بعضها كحالة آنية، وحضور الفهم من خلال المفهوم المجهول، حيث أنّ المفاهيم للأشياء غير الواضحة، تحضر في النصّ لتقودنا إلى باطن المعنى.. فالصراع يبدأ بين الصمت والقول، وبين الصمت التفكري والقول الشعري، فيختلف المدلول عن  بعضه بعضاً بين جملة وأخرى، وذلك لحضور نسب المفاهيم أيضاً، ويتدخّل الاستدلال في المفاهيم من خلال الحجج التي يحملها ما بين التصوّرات وشكل المنطق، حيث أنّ الاستدلال وجه من وجوه المنطق، لذلك يكون التفكير الاستدلالي بتقديم البراهين الاستدلاليّة والواقعيّة من خلال النصّ الشعري، ويكون الدفاع عن طريق القناعة وإقناع الآخر بالحجج الاستنباطيّة والاستنتاجيّة والاستقرائيّة؛ فتكون الاستقلاليّة كمؤشرات تقودنا إلى المهارات الفنية من خلال النّصّ والنّصّية. وبما أنّ اللغة من خلال نموها الشاعري تؤدّي إلى النمو المعرفي أيضاً، فالمكون الاستدلالي والتفكير به لايشكل عائقا لدى الشاعر عندما يقدّم معرفته اللغوية في النصّ والنمو المعرفي اللذين يشكّلان حالة من حالات الاستدلال.

نمرّ على المفاهيم باعتبارها رؤيا لذاتها، فتمنحنا خصوصيّة النّصّ، وذلك لأنّ النّصّ الشعري يخصّنا بما يعنيه القول، والقول من خصوصيّة الباث عندما يتلو بياناته الشعريّة ليملأ سلالها بالسببيّة فينطلق من خلال التعبير التصوّري والتعبير الشمولي وتعبير الواقعة في الحدث الشعري.

إنّ الشاعرة العراقيّة (أمل عايد البابلي) تقودنا بداية من العنونة إلى تجسيد المعنى والذي يبني علاقة مع جسد النصّ، حيث تكون الرؤيا، رؤيا نصّية معانقة الرؤية التي تتحلى بها الشاعرة وهي تمنحنا الأسئلة وما تطرحه في التفسير الأوّلي للنصّ ومن ثم تأويل الممكنات. فيصبح التأويل بمعنى تعبير الرؤيا للنصّ الشعري الذي اعتمدته في الرسم والخلق..

ربّما تقفين عند صورتي يوماً

وتسائلينني

لماذا أكتب إليكِ؟

و ستدركينَ أنَّ الكتابة للغِيابِ

أسهلُ على الأمِّ

مِنْ مُخاطَبة الحضور

من أبنائها دون إرتعاش.

من قصيدة : رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد – أمل عايد البابلي

تحمل الشاعرة العراقية الواقع كمعنى، وهي تنقله من الواقع إلى الذاتي، وتستنطق ذاتها، فيصبح فعل القول، كواقع عند القول، أي تقول ماتحمله من معاني نقلتها من الواقع الذاتي التخيلي، وخصوصاً أنّها تميل إلى بنت لم تولد بعد، وقد غيّبت اسمها لأنّها ليست كما نظنّ على قيد الحضور، ومن خلال هذا الربط وعلاقة الذات بما حولها استطاعت أن توجد منظورها القريب والاشتغال عليه.

ربّما تقفين عند صورتي يوماً + وتسائلينني + لماذا أكتب إليكِ؟ + وستدركينَ أنَّ الكتابة للغِيابِ + أسهلُ على الأمِّ + مِنْ مُخاطَبة الحضور + من أبنائها دون اِرتعاش.

مزجت الشاعرة أمل عايد البابلي الانطباعيّة العاطفيّة كمبدأ مع أهمّية الخيال في الشعر؛ لذلك ومن خلال المشهد الشعري لاحظنا اِنعكاس مرآة الواقع على الذات المتخيّلة، علما أنّها لم تعش فترة الزمن الإنجابي؛ فالمائدة التي أوجدتها من خلال النّصّ، هي مائدة الحضور بواقع يتعلق برؤيةٍ تخصّها؛ فالصورة، والسؤال، والكتابة، وأخيراً الأم، كلها مفردات مُختارة بعمليّة تركيبيّة لكي تستطيع أن توجد ما يدور في الذات العاملة، وهي انعكاسات انطباعيّة أدّت إلى علاقات مابين الذات وفعل المتخيل.

حضوركِ يجعل قلبي ونبضاته

تتسارع كثيراً

مثل قطار كهربائي ..

و ستفهمينني جيداً

لأنّكِ من بين جميع

فتيات العالم تهرّبتِ من المجيء

إلى حضني .

ستعلمين جيداً أنّكِ تشبهين أباك

من قصيدة : رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد – أمل عايد البابلي

لدي استعانة بالوضوح المتماثل وانقلاب المعنى من العلاقة الذاتية إلى العلاقة التخييلية؛ وذلك من خلال العضوي والمجرّد، فالمجرد نتاج من النتاجات العضويّة، والشاعرة أمل البابلي، تقودنا إلى أعداد قياسيّة، لتعدّ عدّتها ما بين الأبعاد المتقاربة والأبعاد الذهنيّة الحاضرة.، ومن هنا يكون للفعل التخيلي الاندماج برؤيتها.

حضوركِ يجعل قلبي ونبضاته + تتسارع كثيراً + مثل قطار كهربائي ..+ وستفهمينني جيداً + لأنّكِ من بين جميع + فتيات العالم تهرّبتِ من المجيء + إلى حضني .+ ستعلمين جيداً أنّكِ تشبهين أباك

إنّ السياق الخيالي الذي يندرج ضمن النصّ، هو تحديد للمكون النوعي الذي يميّز المنظور الشعري كحالة تخييليّة، وذلك لظهور القيمة الجماليّة، بالإضافة إلى عناصر النصّ الأخرى.

أحالت الشاعرة أمل البابلي النصّ إلى ذاته، وهي تتواصل مع البنية الداخليّة من خلال الجمل التي بنتها بواسطة أدواتها التحويليّة، فالمنظور الذي في الذات يختلف عن المنظور المتحوّل، ولكن من الممكن جداً دمجهما بمنظور واحد لنحصل على المفهوم الاستبدالي. أي نبدل مفهوم الواقع بمفهوم الذات التخيليّة، فيتم صهرهما في غرفة الخيال التي تنحاز إلى الانزياحات اللغويّة والتبدّلات العاطفية وكذلك التقـيّد بشخصية الـ ” أنا ” غير الظاهرة، ولكنّها ظهرت لنا عبر الأفعال المنسوبة للشاعرة من خلال فعل المتكلم.

إنّ السحر والحكمة المنسوبتان إلى الجهة المتقابلة، تؤدّيان مفعولها كحالة استدلاليّة كالآتي:

السحر والحكمة                 الأنوثة + الوجه الجديد (الطفلة)

والواقع مرتدّ على الجمل التي اعتنت بالتواصل مع فعل – قول الآخر.. وفعل – قول الشاعرة، فنحصل على فعل القول المبثوث للمتلقي من خلال المرسِلة.

إنّ العلاقة الناتجة، هي علاقة لغوية، فعندما تنمو المعرفة، ينمو الفكر مندمجاً بالخيال، فاللغة بمفهومها عبارات قوليّة، تغطي على الفكر وعلى المعرفة. ومن خلال المدلول تنطوي عليه علاقة الفكرة التي توظفها الشاعرة وهي تعتمد امتداد الجمل على بعضها ليستقرّ المعنى.

والآن

بما أنّكِ أدركتِ أنّ اللهَ

لمّا يخلقكِ بعد

وأرسلكِ عمداً إلى رحمِ امرأة أخرى غيري ..

أو

أنّكِ اطلعتِ على عالمنا المجنون ورفضتِ الخروج

من عالم الذرِّ إلى عالمنا المجنون ..

أو إنكِ من شدّةِ خشيتكِ

علّيّ لم تأتِ

من قصيدة : رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد – أمل عايد البابلي

إنّ بناء المفاهيم في النصّ الشعري يؤدي إلى قيمة النّصّ الفنّية، فتظهر الدلالات خارج التشويش، وذلك بصورة ذاتيةٍ لها قيمتها وأبعادها عند النقل والترجمة والتقشف والتقليلية الزمنيّة التي تؤدّي إلى مفهوم البناء الزمني لذات النصّ، حيث يتمّ تلبية الأفكار التي تدور في ذهنية الباث للتواصل، ونقلها إلى مستويات ناضجة خارج الاختلاف والتعارض؛ فيكون الإيمان الموحّد بمفاهيم الشاعرة دون الاتكاء على المكامن التشويهيّة التي قد تظهر إلى جانب المفاهيم الفكريّة، فيكون أثرها من الآثار السلبية.

فالمفهوم الذي اعتمدته الشاعرة أمل البابلي، وهي أن تنقل بعض الصفات التوظيفيّة من خلال الشخصنة الذاتية والتأمّل المترجم إلى واقع خارج الحضور. فتعكسها على حالتها كمدلول بقوة عمليّة في النّصّ المكتوب، وبناء على ما تؤمن به من جديد.

والآن + بما أنكِ أدركتِ أنَّ اللهَ + لمّا يخلقكِ بعد + وأرسلكِ عمداً إلى رحمِ امرأة أخرى غيري ..+ أو + أنّكِ اطلعتِ على عالمنا المجنون ورفضتِ الخروج + من عالم الذرِّ إلى عالمنا المجنون.. + أو إنكِ من شدّةِ خشيتكِ + علّيّ لم تأتِ

يكون النصّ ملحقا بعنوانه، ومن خلال جسد النصّ تظهر العلائق التحويلية في الاستشهاد والتلميح، ولايفوتنا بأنّ الشاعرة ترمز وتشير من خلال بعض الضمائر المتّصلة والمنفصلة، أو من خلال الأفعال الانتقالية والتي تتسلل بحركتها بين الجمل الشعرية. ومن خلال الفعل (الإدراكي) نلاحظ أنّ الشاعرة أمل تشير إلى الأشياء المتجانسة مع بعض الأفعال ومنها: يخلق، أرسل، رفض ويأتي، وتعتبر من أفعال الحركة الانتقالية في علم الدلالة.

يعتبر مخزن الذاكرة للتذكّر، بينما مخزن الحسّية الذاتية، نعتبره مرجعيّة، أي الرجوع إلى المشاعر والأحاسيس من خلال تأثيرات المحسوس عليها، وبما أنّ المحسوس غائبٌ، إذن نلتجئ إلى التقديرات التي أطلقتها الشاعرة أمل البابلي.

أنا.. نعم أنا

امرأة جبانة

لا أصلح لهذه المهمّة،

ربّما أبتعاداً من عيون اللوْم

في وجوهٍ اكتستْ باللحى والشوارب

التي يقف عليها الصقر،

وأهربُ مِن الجميع

إليك.. نعم إليك

وسأكتب بلا قيود

لابنتي التي لم أنجبها

واعتذر

نعم اعتذر

لغيابك الطويل .

من قصيدة : رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد – أمل عايد البابلي

تذكيراً بالعتبة الأولى كقاعدة تركيبيّة، فإن علاقة النصّ، علاقات تركيبيّة في البناء النصّي، وذلك لأنّ القدرة البنائيّة للنصّ الشعري، تعتبر من شروط الإنتاج النصّي؛ وشروط الإنتاج هنا هي من خلال قصيدة الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي (رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد)، وهي تعتمد المفاهيم والمعاني وكذلك الإشارات والتمثلات والتصوّرات؛ وقد أعطت للحالة الاستدلاليّة مساحة من التجاوب بين الجمل الشعرية الامتدادية.. ومن خلال المعاني ( بما أن الشخصية المقصودة هي البنت التي لم تولد بعد) فهي غير قادمة وبعيدة عن المحسوس، وقد أشارت الشاعرة إلى حالة الغياب والتقديرات التأمّلية، فهي تتمنّى من خلال الحوار الداخلي (المونولج).

أنا.. نعم أنا + امرأة جبانة + لا أصلح لهذه المهمّة، + ربّما ابتعاد عن عيون اللوْم + في وجوهٍ اكتستْ + باللحى والشوارب + التي يقف عليها الصقر، + وأهربُ مِن الجميع + إليك.. نعم إليك + وسأكتب بلا قيود + لابنتي التي لم أنجبها + واعتذر + نعم أعتذر + لغيابك الطويل .

ومن خلال المعرفة الذاتية، تحيلنا الشاعرة إلى القوة الكامنة في الذات (يحمل مصطلح المعرفة إلى كلّ الأنشطة الذهنية والفكرية التي ننهمك فيها من أجل اكتساب المعارف من خلال عملية التفكير، والتجارب والإحساسات. د. عمر بن دحمان – نظرية الاستعارة التصوّرية والخطاب الأدبي – دار رؤية للنشر والتوزيع 2015 – ص 20). إذن هي عملية إدراكيّة، تجعلنا في الصفّ معها، متجانسين بأروقتها، ومتفاعلين بأفكار قد تؤدّي إلى زمنيّة حاضرة أو زمنية ماضية نتيجة التفكير الداخلي.

رسالة لابنتي التي لم تأتِ بعد

ربّما تقفين عند صورتي يوماً

وتسائلينني

لماذا أكتب إليكِ؟

و ستدركينَ أنَّ الكتابة للغِيابِ

أسهلُ على الأمِّ

مِنْ مُخاطَبة الحضور

من أبنائها دون اِرتعاش.

حضوركِ يجعل قلبي ونبضاته

تتسارع كثيراً

مثل قطار كهربائيّ ..

وستفهمينني جيّداً

لأنّكِ من بين جميع

فتيات العالم تهرّبتِ من المجيء

إلى حضني .

ستعلمين جيداً أنّكِ تشبهين أباك

والآن

بما أنّكِ أدركتِ أنَّ اللهَ

لمّا يخلقكِ بعد

وأرسلكِ عمداً إلى رحمِ امرأة أخرى غيري ..

أو

أنّكِ اطلعتِ على عالمنا المجنون ورفضتِ الخروج

من عالم الذرِّ إلى عالمنا المجنون ..

أو إنكِ من شدّةِ خشيتكِ

علّيّ لم تأتِ

أعرف الآن فقط

بأنّك تشكرين القَدَرَ

لأنّه لم يبعدكِ عن هذا الكوكب البائس ..

وستقولين:

لماذا أكتب لك؟

فأنا.. نعم أنا

لا أجرؤ على الكتابةِ

لإبيك الذي لم يمتلك الجرأة ليلامس جسدي ويكون معي

لتكونين معي في هذا العالم

عن طريق جسدي المنهك .

أنا.. نعم أنا

امرأة جبانة

لا أصلح لهذه المهمّة،

ربّما أبتعاد عن عيون اللوْم

في وجوهٍ اكتستْ باللحى والشوارب

التي يقف عليها الصقر،

وأهربُ مِن الجميع

إليك.. نعم إليك

وسأكتب بلا قيود

لابنتي التي لم أنجبها

واعتذر

نعم أعتذر

لغيابك الطويل .

…. امل عايد البابلي

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *