تجليات الذات بين الوجود والعدم: قراءة فلسفية ميتافيزيقية سيميائية في نص (كأنّي أراني فيكِ)

تجليات الذات بين الوجود والعدم: قراءة فلسفية ميتافيزيقية سيميائية في نص (كأنّي أراني فيكِ)
في قصيدة “كأنّي أراني فيكِ”، يدخل الشاعر جبّار الكوّاز محراب التجربة العاطفية لا بوصفها ذكرى أو نزوة وجدانية عابرة، بل بوصفها كشوفًا وجوديةً شاقّة...

مقدمة  :

* في قصيدة “كأنّي أراني فيكِ”، يدخل الشاعر جبّار الكوّاز محراب التجربة العاطفية لا بوصفها ذكرى أو نزوة وجدانية عابرة، بل بوصفها كشوفًا وجوديةً شاقّة، تتقاطع فيها الروح بالظل، والغياب بالتماهي، والرؤية بالعمى.

* إنّها قصيدة تخرج من نسيج اللغة اليومية لتدخل منطقة الحلم، والاحتراق، والكسوف الداخلي،

* حيث لا يصبح الحبيب معشوقًا خارجيًّا، بل يتحوّل إلى مرآة وجودية للذات،

* وإلى حدٍّ بعيد: “كأنّي أراني فيكِ” ليست سوى محاولة استبصار للذات في الآخر، وانكشاف محموم للكينونة في مرايا الحبّ.

* يمارس الكوّاز هنا كتابة شبه صوفية، لكن بلغة العاشق المتلبّس بجراحه لا بلغة الفقيه المتلبّس بتقواه؛ إذ تنسرب القصيدة كما الماء في تضاريس داخلية حارقة، فتبدو كأنها صلاة منسية في معبدٍ مهجور، أو رسالة غرامية طواها الزمن قبل أن تصل.

* لكن الرسالة، في جوهرها، لا تُوجَّه إلى “الآخر – الحبيبة” قدر ما هي محاولة لاجتراح الذات من رماد الغياب، والتعرّف عليها في زمن الرماد، عبر طقوس الاحتراق الداخلي.

* ولعلّ ما يميّز هذه القصيدة هو توظيفها للمجازات الكونية (الفرات، الشمس، الكسوف، النجم، الحريق، الرياح) التي تُعيد تشكيل تجربة الحبّ لا باعتبارها علاقة بين ذاتين، بل بوصفها حالة كونية، قدرًا شعريًا، واحتراقًا وجوديًا.

* فهي ليست قصيدة عشقٍ فقط، بل نصّ رؤيوي، يسائل المصير الإنساني،

ويقف على تخوم السؤال الفلسفي:

* هل نحن من نسير نحو الألم؟

* أم أن الألم شرطٌ أوليٌّ للحياة؟

* هكذا يضعنا الكوّاز أمام نصّ مشبعٍ بالشجن الصامت، بالفقد المضيء، وبالأسئلة الوجودية التي تهمس ولا تصرخ؛ وهو في هذا يقدّم لنا كتابة شعرية تنتمي إلى تلك المسافة الدقيقة بين الحلم واليقظة، بين الرغبة والنسيان، بين رؤية الشمس وقيادتها إلى كسوف الروح.

* من هنا تبدأ القراءة،

لا من باب التأويل فحسب، بل من باب التورّط الجمالي والمعرفي في قصيدة لا تُقرأ، بل تُعاش.

* قصيدة “كأنّي أراني فيكِ” للشاعر جبار الكواز ليست مجرد بوح عاطفي بل هي ارتحال أنطولوجي عبر مفازات الحب والغياب، تلمّس للذات وهي تتكوّن وتتحلل في مرايا الآخر.

* إننا بإزاء نص يحمل هاجسًا ميتافيزيقيًا عميقًا، حيث تتجلى الهوية الفردية كظلٍّ هشٍّ للوجود، وتصبح الأنثى مرآة الكينونة الحقيقية.

أولًا: القراءة الفلسفية :

الذات والوجود بين الانكشاف والتلاشي

في مطلع النص:

“بل كنتِ انتِ

حين اقتربتُ منك”

– يؤسس الشاعر علاقة تقوم على التماهي والذوبان بين الذات والآخر، حيث هذه العلاقة لا تعني فقط الحضور العاطفي، بل تتجاوز إلى تضاؤل الحدود بين الذات والوجود، فتظهر الذات كـ”نجمة تعاند سماءها”، أي ككائن ميتافيزيقي لا يجد مكانه الطبيعي في نسق الوجود.

* ثم تأتي الجملة المحورية:

“وكأنّي أراني فيكِ”

– ليُبنى عليها كامل النص: رؤية الذات في المرآة- الآخر، والتي لا تفضي إلى معرفة بل إلى توهّم المعرفة، حيث ما يراه ليس انعكاسًا بل تشظّيًا وجوديًا.

* إنّ هذا الإدراك العميق للأنا كظل زائل يعيدنا إلى تساؤلات هايدغر: “لماذا هناك كائن وليس العدم؟”

* فالكائن هنا (الذات الشاعرة) يعاني من قلق أنطولوجي أمام حقيقة أن وجوده لا يتحقق إلّا عبر الآخر — الآخر الذي لا يمكن الإمساك به.

ثانيًا: القراءة الميتافيزيقية

الحضور بوصفه غيابًا

في قوله:

“بحثتُ عن كفّي فلم أجدْها

آلتفتُ

درتُ بجنونٍ”

– نجد تفكيكًا لـ”وهم الجسد”؛ الجسد الذي يُفترض أن يكون يقين الذات، يتحول إلى علامة ضائعة. الكف – رمز القدرة والكينونة – غابت.

– فهل الذات فقدت سيطرتها، أم أن الحب ألغى يقين الجسد؟

– هنا يدخل النص في أفق ميتافيزيقي عالٍ، حيث تتفكك العلاقة بين الكائن وجسده، فيتجلى الحب كـ”قوة خارجة عن الطبيعة”، أشبه بـ”عاصفة ميتافيزيقية” تهزّ أركان الوجود.

ثم:

“أ كنتُ أعمى

وأنا أقودُ الشمسَ إلى كسوفِ روحي؟!”

– الصورة هنا تحمل تناقضًا ميتافيزيقيًا ساحرًا: كيف يمكن للأعمى أن يقود الشمس؟

– إنها استعارة للوعي المزيف، حيث يُخيّل للذات أنها تمسك بالنور، بينما هي تجرّه إلى العتمة.

– هذا يُحيلنا إلى مفهوم “الظلام الداخلي” عند نيتشه، حيث النور المفرط ذاته قد يُعمي، وقد تقود الرغبة في الحقيقة إلى تدمير الذات.

ثالثًا: القراءة السيميائية

علامات العطش والاحتراق والانبعاث

  1. الكوثر – النهر – الفرات

“وما إحترتُ الّا حين إقتربَ مني كوثرُكِ”

“وهذا الفراتُ ظاميءٌ اليكِ”

* تتكرر علامات الماء كـ”كوثر” و”فرات” في دلالات متعددة.

* الماء هنا لا يروي بل يعمّق العطش.

* الكوثر، رمز الخلود السماوي، يغمر الشاعر لكنه لا ينقذه، مما يدل على أن الخلاص – ولو بدا قريبًا – هو في حقيقته تجربة من الألم والعجز.

* وكأنّ العشق هو حالة عطش سرمدي، تتغذى على الوهم أكثر مما تتغذى على اللقاء.

  1. النار – الحريق – الاحتراق :

“ذكرياتٍ ذُبحَتْ

فوقَ أعشابِ حريقِك الأزليِّ”

“كيف أدنو منك

الّا في حلمي وآحتراقي؟!”

* نجد حضورًا قويًا للمحرقة – كرمز للعشق، وللتطهر، وللفناء.

* النار في هذه القصيدة ليست عقوبة، بل طقس عبور، و”الاحتراق” هو شكل من أشكال الوصال.

* وهذا يحيلنا إلى الرمزية الصوفية، حيث يتجلى العشق في صورة الحريق والاحتراق؛ فالعاشق لا يبلغ الفناء إلا إذا احترق.

رابعًا: الصياغة الجمالية

انزياح الزمن وتفكك الخطاب

“أما النسيانُ… فقد أوْدعَني ذكرياتي

وهي موشومةٌ فيما سيأتي من أيامٍ مسبياتٍ”

* تأمل هذا اللعب الزمني السريالي:

* النسيان لا يمحو بل “يُودِع” الذكريات،

والمستقبل لا يأتي بل يُحمل بذكريات الماضي، والماضي يُسترقّ في شكل “أيام مسبيات”.

* هذه الصورة تكسر الخط المستقيم للزمن، وتحيله إلى حركة دائرية من التكرار الأليم، وكأن الحاضر مأسور في لا-زمان، حيث لا خلاص إلا بالموت الرمزي أو بالحلم.

خامسًا: رؤية ختامية

القصيدة كمأساة وجودية

* تتجلّى القصيدة في بنيتها العامة كنوع من الاحتضار الصامت، حيث لا صراخ، لا اتهام، لا لوعة مباشرة، بل هدير داخلي هادئ ينزف عبر مفردات “الكوثر”، “الفرات”، “الصورة الشمسية”، “حريقك الأزلي”، “ذكريات مذبوحة”.

* تلك الكلمات تشكّل ما يمكن تسميته بـ**“أبجدية الفقد النبيل”**، حيث العاشق لا يطلب شيئًا، ولا يتوسل، بل يتماهى مع وجعه، ليصوغ منه قصيدة وجوده الأخيرة.

خاتمة :

* نص “كأنّي أراني فيكِ” هو قصيدة وجودية مشبعة بروح العشق الميتافيزيقي، مكتوبة بلغة رمزية عالية وتحمل في بنيتها استبطانًا فلسفيًا لجدلية الحضور والغياب، الذاكرة والنسيان، الاحتراق والانبعاث.

* وحده الشاعر الذي يرى في الحب سفرًا بين المجرّات المعتمة للذات، يمكنه أن يكتب بهذه الطريقة، حيث كل بيت هو شظية من سؤال أنطولوجي أبدي.

تقييم عام مختصر للقصيدة والشاعر

* قصيدة “كأنّي أراني فيكِ” للشاعر جبار الكوّاز نصّ شعري عميق ومتماسك يندرج ضمن الشعر التأملي الوجودي، ويتميّز ببنية رمزية عالية تنطلق من الحنين، لكنها لا تنحصر فيه، بل تتجاوزه إلى مساءلة الذات والعلاقة بالزمن والآخر.

* الشاعر يمتلك لغة مجازية رفيعة، وحسًا فلسفيًا ميتافيزيقيًا يندر أن نجد له نظيرًا في قصائد الغزل الحديثة، حيث لا ينغمس في الخطابية أو المباشرة، بل يبني عوالمه بتروٍ وتأمل، مستعينًا بخبرة لغوية وشعورية عميقة.

* جبار الكوّاز في هذه القصيدة شاعر ناضج، ينتمي إلى مدرسة العشق الكوني، لا العاطفة العابرة، وهو قادر على تحويل الحنين إلى نشيد وجودي فلسفي، وهو ما يضعه في مصاف الأصوات الشعرية الجادة التي تستحق الوقوف عندها وتأمل منجزها بعمق.

(كأنّي أراني فيكِ)

جبّار الكوّاز

بل كنتِ انتِ

حين اقتربتُ منك

ثمةَ سوانحُ

ما قرعتْ بابي الّا بحلمِكِ

وكأنّي أراني فيكِ

ظلّاً إلى زوالٍ

او نجمةً لمّا تزلْ تعاندُ سماءَها

وكلما دنوتُ منكِ

توالدتْ خطايَ دروباً إلى المغيب

أهذا ما كنّا قد أولمناهُ

ساعةَ الملتقى

او ساعةَ الرحيل؟!

بحثتُ عن كفّي فلم أجدْها

آلتفتُ

درتُ بجنونٍ

أكنتُ نسيتُها معلقةً على إكرةِ بابك

ام أخذَتْها الرياحُ وديعةَ

رسالةٍ كتبتُها قبل ألفِ عام؟!

ولمّا تصلْ اليك

وحين حدقّتُ في صورتِك الشمسيةِ

رأيتُكِ

وما رأيتُكِ

أ كنتُ أعمى

وانا أقودُ الشمسَ إلى كسوفِ روحي؟!

وما إحترتُ الّا حين إقتربَ مني كوثرُكِ

فقد غمرني

حتى آرتمسَ بي

فأيُّنا النهرُ؟!

وصدري ما زال نديّا بدموعِك

وهذا الفراتُ ظاميءٌ اليكِ

وما في خطاي من حيلةٍ

ألا أن تسيرا اليك

ولستُ بخانقٍ مجرى إنتهلتُ منه

وما ارتويتُ…

اما النسيانُ

-النسيانُ الذي خامرني بهدوءِ حفيفِهِ

فقد أوْدعَني ذكرياتي

وهي موشومةٌ فيما سيأتي من أيامٍ مسبياتٍ

كأنها فديةُ حروبٍ خاسرةٍ-

فلن اطيعَهُ

وهو قادرٌ على طاعةِ خزانتِهِ

التي حرقَتْها سنواتُ النار.

وكلما إوغلتُ برؤياكِ

تصدّى لها

فجرُ ذكرياتٍ ذُبحَتْ

فوقَ أعشابِ حريقِك الأزليِّ

فيا نجمةَ روحي

وصليلَ آهاتي

وهمسَ حروفي

كيف أدنو منك

الّا في حلمي وآحتراقي؟!

أكلانا أوقدَ خطاه شرطَ موتٍ؟!

أم ما زلنا نقامرُ سهوا

بزخرفِ الحياةِ

فطوبى لنا

نحن  الذين مرَرْنا بالالمِ

دونما ضجيجٍ

وما أوغلْنا

– نكايةً به-

الّا بالحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *