رسالة الدكتورة لمسار تعمقت بشروحاتها حول الموضوع. وتشعبت، ودققت، وحللت بعض الروايات التي تضمر وتعلن عن ذلك فيما أكدت “المؤلفة” (ص 7): إن أي سؤال عن تمثيل “الإكليروس” في السرد الروائي سيأخذ طابعًا مميزًا ومختلفًا إذا ما كان يدور حول ذلك التمثيل في الرواية العراقية بخاصة…) (إن حضور الإكليروس في أي رواية عراقية لا يعني بالضرورة، أن السرد المتمحور حوله سيكون هو البؤرة الإخبارية الوحيدة في تلك الرواية…). اعتمدت “المؤلفة” في تناول الإكليروس المنهج التفكيكي بإجراءات الدراسة وقراءة النصوص الروائية بالأبعاد الفلسفية، والثقافية، والتناص بين تلك النصوص ومثيلاتها عند الروائيين العراقيين. كانت دراسة وافية شافية كافية بأبعاد “الإكليروس” بأربعة فصول بَدءًا من التمهيد بشروحات، ومداخل تفسيرية بتأصيل دلالي لغةً، واصطلاحًا، وتأريخيًّا مع جملة منتقاة من آراء عديد من المنظرين العرب، والغربين تناولت بالفصل الأول: سلطة الإكليروس/ من سلطة المعرفة إلى تجهيل المعرفة، وفيه مباحث ثلاثة: الإكراهات، ونمطية الاستبداد وتزييف الحقيقة، وأخلاق الدولة. سياسة التحريم، وأقنوم التابو فيما درست بالفصل الثاني ميكروفيزياء السلطة (القمع، والسلطة، واللامركزية)، وفيه مباحث تفصيلية عدة عالجت بها قضايا يعيشها الإنسان العراقي، والعربي عمومًا، وفي كل مبحث هناك رؤى تفسيرية تفرعت بنقاط تعالج بها الموضوع بدقة فائقة: القمع المؤسساتي. المبحث الثاني من الفصل الثاني: قمع الرغبات، التهميش الأنثوي – إبادة الذكورة – تهجين الأخلاق (العيب الحرام)، ثم المبحث الثالث: قمع، الحياة وفيه جزئيات مَهَمَّة القتل على الهُوية – الانتحار – الثأر، وغسل العار. وركزت بتفصيل في فصلها الثالث بدراسة معمقة: الفرد، وحقيقة الإكليروس، وفيها ثلاثة مباحث بكل مبحث هناك فرعيات، وضحت بشروحاتها، وتعريفها، وتأصيلها لقضايا الأخلاق الدينية – ركزت بالتفاصيل بثنايا هذا المبحث بنقاط جوهرية تفصيلية الانهمام الروحي بالذات وغيرها كما ناقشت بثلاث رؤى المرأة والجسد – الجسد الطقوسي – الجسد والموت. وفي الفصل الأخير: الإكليروس وإعادة إنتاج الذات مباحث عن وعي الضد (مقاومة القمع الميتافيزيقي) فيما تطرقت إلى خمسة موضوعات متعدّدة في الفصل الثاني المحظور الإكليروسي، ومقاطعة الصمت، وهي تستعرض أنساق الثقافة الحاكمة – تأثيرات العلاقات الأسرية – تأثيرات الإيذاء النفسي – تأثيرات اجتماعية – أسباب متنوعة للانحراف لتنهي الفصل الرابع بدراسة مُهِمَّة من (ص 416 – 433): عن بناء الذات (جدل الداخل والخارج). إجمالاً هذه الدراسة المتميّزة غير النمطية لموضوعات طالما تجاوزها الكاتب العربي، وهي تناقش المفاصل الحيوية بين الدين، والجنس، والذكورة، والأنوثة، والتابوات التي يفرضها المجتمع (العيب – الحرام) والتي هي من متبنيات عقله، وليس بإصول العقائد من شيء، وبالتقييم هل أخفقت أم نجحت “المؤلفة”، والإجابة المُحايدة لقد تفوقت بشكل كبير بعرضها، وترتيب فصولها، ومباحثها لتقدم إلى القارئ العراقي، والعربي دراسة شيقة مبهرة ينتفع منها حتى طلبة الدراسات الذين يرومون معرفة أسرار الرواية العراقية بكل تفاصيلها. بالطبع تمثل اليوم تلك الدراسات بعوالم الرواية نكهة خاصة لدى القراء بعد أن تسيد الشعر لقرون. اليوم عصر الرواية التي تعبر عن الهم الجمعي، ودراسة المجتمع، والتاريخ، والمدينة، والريف، والتفاصيل اليومية، والحياتية للشعوب، برؤية السارد المتمكن من أدواته في البنية السردية في المبنى، والمتن الحكائي. وتجلت بدراسات النقاد بمناهج السردية الدلالية، ومناهج السردية اللسانية، وأصبحت صنعة الرواية لها تقنيات لا يتمكن منها إلا من خبر سبر أغوارها بأداء الراوي العليم، ووجهة النظر المشهدية، أو وجهة النظر المتعددة، ومستويات المعرفة، من الكلية إلى المعرفة المحايدة، في الأنا الشاهد، والأنا المشارك، وتعدد الزوايا بتقديم الحكايا، أو الكاميرا الملتقطة للأحداث، مع اختلاف بين الكاتب الضمني، والراوي الممسرح، أو المعروف التي تتضمن نقل وجهة النظر الآيديولوجية فضلاً عن النفسية – التعبيرية – ووجهة النظر على مستوى الزمان – والمكان. تؤكد الدكتورة مسار غازي (ص 45) (فالمستبدون وفق “أودنيس” يدمرون باسم الدين ما أعطاه الخالق للإنسان لكي يميزه عن سائر مخلوقاته (الأنسنة، والعقل، والحرية) فالذين يمارسون الاستبداد، والتسلط يبدون عمليًّا، وكأنهم ينقضون ما فعله الخالق نفسه…) بدراستها التفكيكية لروايات عراقية عدة بينت رؤى عدة ذات أهمية بمعالجة الموضوع “الإكليروس” حيث أكدت على: (ص 145) (فقد كتبت روايات جمة ناقشت المأساة العراقية، وجرائم نظام صدام الشمولي، وأوضاع الناس في زمن الحرب، وما رافق ذلك من انهيار القيم الاجتماعية مثل: رواية (حارس التبغ)، (الكافرة)، (الطريق إلى تل المطران) لعلي بدر، ورواية (ليل البلاد) لجنان جاسم حلاوي، ورواية (منازل الوحشة) لدني غالي، و(طشاري) لإنعام كججي، ورواية (مكان اسمه كميت) لنجم والي، (حافة القيامة) لزهير الجزائري، و(القنافذ في يوم ساخن) لفلاح رحيم، و(الشاحنة) و(زنقة بن بركة) لمحمود سعيد…). وعشرات الروايات التي درستها الباحثة بثنايا الكتاب في (ص 416) تؤكد: (… وعليه فقد وجد عدد من الروائيين من الجنسين أنفسهم بين ناري الهروب خارج الوطن، أو اللجوء إلى أحضان النظام، ما نتج عنه ظهور نوعين من الرواية: رواية منتسبة للعراق بحكم الجغرافية كتبت على أرض العراق، ورواية منتسبة للعراق بالهوية كتبت بالغربة). بالطبع هي الأصدق بتناول السجن، والموت، والنفي، والتحريم الذي كبل به الشعب بالداخل. في كتاب الدكتورة آلاء عبد الأمير السعدي (طقوس الجسد والكتابة) رسالة ماجستير جاءت بـ 352 صفحة درست مفصلاً الشعر، والجسد لنصوص عراقية لشعراء عدة. قراءة بعناية مركزة سيكون لي وقفة مُهمة مع تلك السياحة لموضوع أكثر تداولاً بالشعر حتى أصبح التداول اليومي بالشعر يركز على جانب الجسد تؤكد بمقدمة رسالتها العلمية (ص 14): (فالجسد يرسل برسائل إيحائية باطنة، وظاهرة للمرسل إليه، فهو لم يكن يستهدف الإثارة الجنسية فقط، بل يخدم أهدافًا وأخلاقًا تسمو بالإنسان، ولا تهبط به إلى قبح الغرائز الحيوانية كما يتوهم دعاة التحريم. من الصعوبة والنادر في ثقافتنا العربية الولوج في هذه الثيمة…). وكذلك استعرضت أسماء عشرات الروايات التي كتبت بالمنفى والهجرة. إن هذا السفر المهم يعد من الدراسات المُهمة لكل من يريد معرفة الرواية.
المراجع
- د. سعد العتابي، الخطاب السردي في روايات عبد الرحمن مجيد الربيعي الرؤية والتشكيل، دار أمجد، عمان، ص 155.
- د. باسم صالح حميد، الرواية الدرامية دراسة في تجليات الرواية العربية الحديثة، بغداد، ص 206.
- محمد فاضل المشلب- الإنتلجينسيا العراقيّة في عالم علي ّ بَدر الرّوائي دراسة في الرُؤى والتمثّلات، الرافدين، بيروت، ص 72.
- د. مسار غازي، الإكليروس في الرواية العراقية، دار ومكتبة سامراء، ص 4 – 7 – 45 – 154 – 416.
- د. آلاء عبد الأمير السعدي، طقوس الجسد والكتابة مقاربات في النص الأدبي، دار الرافدين، بيروت، مع دار عدنان، بغداد ط1، 2017، ص 14.


