13-كوميديا العشيرة: الأدب بين هوية الفرد وجماعة الانتماء!!

13-كوميديا العشيرة: الأدب بين هوية الفرد وجماعة الانتماء!!
منذ أزمنة بعيدة، شكّل الانتماء العشائري هوية متجذرة في المجتمعات الشرقية، لاسيما العراق، حيث لم يك الاسم الشخصي كافياً لتحديد الفرد، بل لا بد من ربطه...

منذ أزمنة بعيدة، شكّل الانتماء العشائري هوية متجذرة في المجتمعات الشرقية، لاسيما العراق، حيث لم يك الاسم الشخصي كافياً لتحديد الفرد، بل لا بد من ربطه بسلسلة طويلة من الأسماء التي تنتهي باسم العشيرة، وكأن الفرد لا يُرى إلا من خلال مرآة جماعته. لكن حين يُصبح هذا الامتداد الجمعي جزءًا من الاسم الأدبي، تُثار أسئلة جدية: لماذا يحتفظ الأديب بلقبه العشائري؟ هل هي محاولة للتجذّر أم للتستّر؟ هل ينتمي عن وعي، أم يتكئ على القبيلة اتقاءً من المجهول، من النقد، من العزلة؟ وهل تتسق روح الأدب، التي هي في جوهرها فردانية وتمرد، مع مؤسسة اجتماعية قائمة على الولاء والتراتبية والانضباط؟

في العراق، يندر أن نعثر على أديب لا يذيل اسمه بلقب يدل على أصله العشائري أو المناطقي، حتى حين تكون تجربته الأدبية صريحة في تمردها على التقاليد. خذ مثلاً الشاعر مظفر النواب، الذي لم يتخل عن اسمه الكامل رغم صدامه العنيف مع الأعراف الاجتماعية والسياسية، أو فاضل العزاوي، الذي ظل “العزاوي” رغم أن شعره الحداثي كسر كل ما يمكن أن يُنسب إلى عشيرة. يبدو أن الاسم العشائري هنا لا يتعارض مع التمرد بل يحصنه، كأنما يقول: أنا خارج النظام لكني ابن جذره.أما في التجارب العالمية، نجد نماذج معاكسة. نيتشه لم يحتج أن يقول “نيتشه الفلاني” ولا رامبو كتب نفسه “رمبو بن قبيلة الآردينيين”. هناك، الاسم الفردي يكفي ليعلن استقلال المبدع. لكن في مجتمعاتنا، لا تزال الأسماء الفردية ناقصة من دون غطاء عشائري، كأن لا أحد يُصدّق أن الكتابة وحدها قادرة على منح صاحبها هوية صلبة.فهل اللقب العشائري وسيلة لتعويض هشاشة المكانة الأدبية في مجتمع لا يعترف بالكتابة كهوية؟ أم أن الأديب يحمل عشيرته في اسمه كما يحمل المتصوف ذكر شيخه، لا لينتمي، بل ليحتج؟ أليس في استخدام اللقب العشائري نوع من السخرية الوجودية؟ كأن يقول الكاتب بين سطور نصّه: أنا ابن عشيرة، لكن عشيرتي الأولى هي الكلمات.بهذا المعنى، يغدو اللقب العشائري جزءاً من كوميديا مريرة، حيث يستحضر الكاتب عشيرته لا ليبايعها، بل ليُفككها، يهزأ بها، أو يتكئ عليها متنهداً: “يا ليت لي عشيرة تحميني من هذي الوحشة!”.لكن هذا التنهيد، لا يخلو من مفارقة ساخرة. فالعشيرة التي يُفترض بها أن تحمي، قد تتحول في كثير من الأحيان إلى أول حجر يُقذف به الأديب حين يتجرأ على تجاوز الخط الأحمر، أو الخروج من بيت الطاعة الاجتماعي. وربما لهذا السبب يتلبّس الكثير من الكتّاب قناع الانتماء، لا حبًا بالعشيرة، بل درءًا لما قد يأتي من خلفها. إنها عودة إلى المألوف حين تضيق الغربة، كما يعود الطفل إلى حضن أمه حين يشتد عليه الليل. وهنا يُطرح السؤال بقوة أكبر: هل اللقب العشائري  قناع أمان نفسي؟ أم وثيقة عبور اجتماعي تمنح الكاتب شرعية الصدق لدى القارئ؟

أحيانًا يبدو اللقب حيلة دفاعية. الكاتب حين يضع لقبه العشائري،  يقول: “أنا لست غريبًا، أنا منكم، فاقرأوني ولا تخافوا من غرابة لغتي”. وفي أحيان أخرى، يكون اللقب فخًا، يُلزم صاحبه بما لا يريد، ويُحمّله مسؤولية تمثيل عشيرة لا علاقة لها بالحبر والورق. المفارقة الأكبر، أن بعض الكتّاب الذين يرفعون شعار القطيعة مع الماضي، لا يزالون يعرّفون أنفسهم بأسماء آبائهم وأجدادهم، كأنما يكتبون بأقلامهم ويوقّعون بأختام العشيرة.خذ مثلاً كثيرًا من أدباء ما بعد 2003 في العراق، ستجد أنهم يستعرضون ألقابهم بتشديد واضح، لا كما تُذكر عرضًا، بل كما يُذكر اللقب العسكري في مقدمة اسم القائد. بل إن بعضهم لم ينجُ من غواية تقديم نفسه بوصفه “صوت العشيرة المقهورة” أو “لسان الطائفة المغيّبة”، متحولًا من أديب إلى ناطق باسم الجماعة. وهنا ينهار الحد الفاصل بين الأدب بوصفه تعبيرًا فرديًا، والعشيرة كمنظومة انتماء جماعي. كأنما الأديب ـ دون أن يشعر ـ يُستلب من ذاته، ويستعير اسمًا أكبر منه ليكتسب بعض الوزن في مجتمع لا يثق بخفة الإبداع الفردي.وإذا شئنا تعميق المفارقة، فلنقارن بين شاعر مثل موفق محمد، الذي لا يُشهر لقبه العشائري، ويكتب من موقع القهر الجواني، لا من موقع القبيلة، وبين آخرين لا يكفون عن التذكير بأنهم “آل فلان”، دون أن يقدّموا في نصوصهم ما يبرر كل هذا الضجيج الهوياتي. موفق، بحفره العميق في الطين والوجع العراقي، يُعلن نفسه ابن وطن لا ابن عشيرة، وربما لهذا يصل صوته إلى كل العشائر لأنه لا يُجامل أياً منها.الأدب الحقيقي لا يحتمل وسطاء بين الأنا واللغة. لا وساطة شيخ، ولا عشيرة، ولا حتى وطن، حين يكون الوطن مجرد شعار. والكاتب حين يحمل عشيرته معه إلى النص، فإما أن يُفجّرها من الداخل، وإما أن يصبح ناطورًا لبوابة القبيلة، لا أكثر. وفي الحالتين، يُفتح الباب على سؤال مؤلم: هل نكتب لننتمي، أم لنفكك معنى الانتماء؟

وهكذا، فإن استخدام الأدباء لألقابهم العشائرية يكشف عن علاقة ملتبسة بين الفرد والجماعة، بين الحبر والنسب، بين الحاجة إلى الحماية والخوف من الانكشاف. ليس الأمر مجرد ذكر اسم بل سردية كاملة تُدرج في العنوان، تُثبَّت في الغلاف، وتتسلل إلى مخيال القارئ قبل أن تُقرأ الكلمة الأولى.الأدب، بطبيعته، فعل تمرد وتحرر، أما العشيرة فهي نسيج حماية وانضباط، وعندما يلتقي الاثنان في اسم واحد، تحدث المفارقة: أديب يعلن التمرد وهو يشهر نسبه، يطلب الحرية وهو يتكئ على جماعة. وهذا ما يجعل المسألة ليست مجرد طرافة اسمية، بل كوميديا وجودية مكتملة، حيث يختلط القلق باليقين، والخوف بالشجاعة، والانتماء بالانفصال.

إن “كوميديا العشيرة” ليست سخرية من الكاتب، بل من البنية التي تجبره على أن يبرر وجوده الأدبي بشيء آخر غير كتابته، وأن يبحث عن حصانة لا يمنحها النص وحده. وفي النهاية، يبقى الاسم مجرد علامة، أما الأدب الحق، فهو ما يتجاوز كل تلك العلامات، ليصل إلى جوهر الإنسان… عارياً، وحيداً، مشتبكاً مع العالم كما هو، لا كما أرادته العشيرة أن يكون.!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *