7-من يقرأ الأدب… من يفهم الجمال؟ (دراسة في المشهد الثقافي العراقي المعاصر!! )

7-من يقرأ الأدب… من يفهم الجمال؟ (دراسة في المشهد الثقافي العراقي المعاصر!! )
منذ أن وعى العراقي لغته، وجرّ قلمه على ألواح الطين، كان للأدب طقس يشبه النبوءة، وكانت الكلمة طريقاً للخلاص من قسوة الوجود، لا تزويقاً للواقع ولا ترفاً لغوياً كما...

منذ أن وعى العراقي لغته، وجرّ قلمه على ألواح الطين، كان للأدب طقس يشبه النبوءة، وكانت الكلمة طريقاً للخلاص من قسوة الوجود، لا تزويقاً للواقع ولا ترفاً لغوياً كما يراها طارئو الزمن الجديد. غير أن السؤال الآن، وقد انكسرت المرايا وتكاثرت الأصوات حتى غدت ضوضاءً لا يفهمها إلا من كان أخرس القلب: من يقرأ الأدب؟ من يفهم الجمال؟

ليست الأسئلة رفاهية تأملية في عصر العتمة، بل طعنات موجهة إلى صدورنا المثقوبة، نحن الذين كتبنا كي لا نموت، وها نحن نكتب لنوثّق كيف يُمات الأدب على يد ساسته ومثقفيه في آن.أيّ قارئ هذا الذي نبحث عنه في ظل مشهد ثقافي مشظّى، ينقسم فيه الناس وفق مقاسات الطائفة، والحزب، والمصلحة؟ هل بقي من يسمع الشعر كما يسمع المريد تراتيل الوجد؟ هل بقي من يقرأ القصة كما يقرأ ماضياً شخصياً يُعاد ترميمه؟ هل للرواية من مكان في أرواح اعتادت القصاص قبل الإصغاء؟

لم تكن القصة العراقية يوماً محض سرد، بل كانت قنبلة معرفية، تمزق سطح الأشياء وتكشف عري الوجدان، من ياسين النصير حين كتب أن “القص حفرٌ في المكان” إلى فاضل العزاوي وهو ينثر الحكاية في نسيج من الحلم والواقع، لم يكن القص أداة تجميل، بل مطرقة. ومع ذلك، من يعيد قراءة تلك النصوص الآن؟ من يجرؤ على قراءتها بمعزل عن خوفه من التصنيف؟ثم يأتي الشعر، ذلك المخلوق الغامض الذي كان لنا رسولاً في حروب المعنى، صار اليوم طيفاً في مهرجانات مدفوعة الثمن، يصفق لها مسؤول أميّ، ويتثاءب في حضورها جمهور لا يحضر إلا ليُرى. قال محمود درويش: “الشعر ليس مصباحاً، إنه عتمة تبحث عن جسد”، لكن من يقبل بالعتمة وهو يريد كل شيء مشاعاً، مرئياً، جاهزاً للاستعمال السياسي أو الحزبي؟

أما الرواية، فلها حكاية أخرى. تحولت من فن مركّب، يعيد تشكيل الوعي، إلى وثيقة فنية يستنطقها القارئ على قدر هواه. الرواية في العراق باتت تُكتب لتنال جائزة، لا لتمنح وعياً. يُكتب النص وفي ذهن الكاتب أسماء اللجان والناشرين ومراكز التمويل. أليس هذا ما جعلنا نقع في فخ ما أسماه إدوارد سعيد “المثقف المُدَجَّن”؟كم من مرة سُئلنا نحن الكُتّاب: من يقرأ ما تكتبون؟ وكأن الكتابة يجب أن تُبرّر لنفسها وجودها بعد كل هذا التاريخ الدموي من الصمت والإلغاء. كأن الأدب بات تجارة خاسرة في سوق يزداد فيه سعر الصمت ويُخفض فيه ثمن النُطق. يقول ميلان كونديرا: “النضال ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان”، ونحن نكتب كي لا نُنسى، لكننا نُنسى كلما كتبنا.

الناس في العراق، في غالبيتهم، لا يقرأون لأنهم تعبوا، لأنهم خائفون، لأنهم محاصرون بلقمة العيش، وبقنابل الطائفية، وبصناديق الاقتراع المزيفة. لكن هذا لا يبرر موت القراءة. الجمال لا يُستدعى في ساحات الحرب، لكنه لا يموت، فقط ينسحب إلى الظلال.وإن سأل أحدهم: من يقرأ؟ فليقل لنفسه: أنا أقرأ كي أكون، لا كي أُعجب. وإن سأل: من يفهم الجمال؟ فليبحث عنه في النثر الصوفي لابن عربي، أو في تنهيدة الجواهري، أو في ارتباك السيّاب وهو يكتب “أنشودة المطر” ويعرف أنه سيبكي أكثر مما سيفرح.

سنبقى نكتب، ولو كان القارئ الوحيد هو كاتب النص. وسنبقى نحفر في هذا الرمل العراقي القاسي، لعلنا نجد ماءً لا يشربه السياسيون، بل يغسل به الشعراء أرواحهم. ولأن المشهد لا يُقرأ من عيني الكاتب وحده، بل من رصيف المتلقي، من واجهات المكتبات المغبرة، من صمت القارئ المفترض، فإن علينا أن نتساءل: أي أثر تركته هذه الأجناس الأدبية في وعي الناس؟ كم مرة دخل المواطن العراقي المكتبة لا ليهرب من حرّ تموز، بل ليطلب كتاباً كما يطلب رغيفاً؟ ماذا فعل نص أحمد خلف في “حديقة سنان” سوى أنه أشار إلى الخسارة كقدر يومي؟ من يعيد قراءة “الوشم” لعبد الرحمن مجيد الربيعي على أنها كشف لا مجرد حكاية؟ حتى محمد خضير، الذي اختصر البصرة في ضربة موجة وصوت مؤذن وصدى ميناء، لم يسلم من خفوت القراءة، إذ أصبحت “المملكة السوداء” قصاصة في ذاكرة جيل لم يعد يملك رفاً للكتب.الأدب العراقي، بكل أنواعه، كان مرآة مكسورة يرى فيها القارئ وجهه مئات المرات. الشعر لم يكن زينة، بل مجازفاً في المعنى، ولهذا كانت قصائد سعدي يوسف ليست نزهة بل امتحاناً، وكانت حروف بلند الحيدري تنزف من قلبه لا من لسانه. لكن من يقرأ بلند الآن؟ من يعيد الإصغاء إلى سركون بولص وهو يقول: “أنا لا أملك وطناً… بل أملك ضوءاً لا يُطفأ”؟ الشعراء ماتوا وقصائدهم تُقرأ كأنها بيانات، لا كنصوص تسكنك ببطء ثم تحرقك.

وهنا لا بد من التذكير أن القارئ العربي عموماً، والعراقي خصوصاً، لم يُمنح فضاءً حراً للقراءة. القمع، الفقر، الخوف، الرقابة، كلها صاغت ذائقة خائفة. حتى حين كان الجواهري يهدر في بغداد كأنه قيامة، لم يكن جميع من سمعه يقرأه.

معظمهم صفّق، وهزّ رأسه، ثم عاد ليحتمي بخيمة الواقع، حيث لا مكان للجمال إلا كزخرفة على الجدران.من يتحدث اليوم عن الجمال في الثقافة العراقية يُتهم بالتنصل من الوجع، بينما الجمال، كما يراه نيتشه، هو المقاومة الأنيقة، هو نفي القبح بالخلق، لا بالصراخ. هل من قارئ الآن يقف عند دلالة اللون في “قمر بغداد” لزهدي الداوودي؟ هل هناك من يتوقف عند بناء الزمن في “الضفاف الأخرى” لعبد الستار ناصر؟ إن أكثر من يقرأ الرواية الآن، يبحث عن التشويق، عن الفضائح، عن ما يشبه السينما الرديئة، لا عن المعنى المتخفي في ثنايا السرد.في زمن كانت فيه بيروت تقرأ، وبغداد تطبع، والقاهرة تنقّح، كان الأدب العربي يحاول أن يخلق قوساً من التأثير، لكننا في العراق غالباً ما نقطع هذا القوس عند منتصفه. نجلس في المقهى، نتحدث عن المعنى، وننسى أن نقرأه. يتخرج الطالب من كليات الآداب دون أن يقرأ نصاً واحداً خارج المنهج. في ندوة عن السرد العراقي الجديد، وقف شاب وقرأ نصاً مشوشاً، وحين سُئل: ماذا قرأت من علي بدر؟ قال: من هو؟

الأدب لا يموت، لكنه يتحول إلى طيف لا يُرى إلا بمنظار القلب. الجمال لا يُفهم من أول قراءة، بل يُدرك حين يصير ألماً مقيماً. فهل بقي في هذه البلاد من يريد أن يتألم لأجل الجمال؟ من يريد أن يقرأ لأنه لا يحتمل القبح؟ من يفهم أن كل رواية حقيقية هي محاولة للقبض على لحظة هاربة من التشوه؟

ربما لهذا قال خوسيه ساراماغو: “الكتابة ليست مهنة، إنها لعنة”. نحن الملعونون بالجمال، نكتب كي لا نُشفى، نقرأ كي لا ننسى، نحفر في الوهم لعلنا نجد حقيقة تشبهنا. لكن كلما كتبنا أكثر، بدا العالم أبعد.

وسنظل نسأل، لأن الأسئلة نفسها هي شكل من أشكال المقاومة: من يقرأ الأدب؟ من يفهم الجمال؟ ومن يبكي حين يقرأ بيت شعر لا يُكتب إلا مرة في عمر الشاعر؟ من يذرف الدمع حين يكتشف أن بطل الرواية يشبهه حدّ الوجع؟إن لم نجد قارئاً كهذا، فلنُبقِ الكتابة مرآتنا. ولنعترف: نحن نكتب كي نعرف أننا لم نستسلم، حتى وإن لم يسمعنا أحد جميل، أتابع معك نحو خاتمة تحمل نبرة تأملية، لكن دون التنازل عن الحدة أو وضوح الفكرة، وتؤطر النص كدراسة قابلة للنشر في مجلة أو صحيفة ثقافية رصينة:

ثمّة من يقول إن الأدب لا يصنع ثورة، لكنه يغيّر النفوس سراً، يعيد تركيب الوعي قطرة قطرة، كما تفعل المياه في نحت الحجر. إن القراءة فعل بطيء، صامت، لا يصلح في زمن اللهاث السريع، ولا يغري في بيئة تمجّد السطحي والفوري والمُعلّب.

ومع ذلك، يبقى القارئ، ذلك الكائن النادر، هو الأمل. قارئ لا يبحث عن الخلاص بل عن الأسئلة، لا يريد نهاية سعيدة بل حقيقة دامية، قارئ لا ينتمي لحزب، بل ينتمي للجمال. وقد لا نجده في القاعات المضيئة ولا على أرائك الجوائز، لكنه هناك، في ظل زاوية، يقرأ نصاً منسيّاً لفلاح رحل منذ ثلاثين عاماً، ويبكي.ولعل أخطر ما يواجهنا الآن، نحن الكتّاب، أن نكفّ عن الكتابة لأننا لا نُقرأ، أو أن نكتب كما يريد السوق، لا كما يريد الضمير. هذا هو الموت الحقيقي للأدب، أن يتحوّل إلى منتج استهلاكي، أو أن يصبح أداة تطبيع مع القبح.لقد علّمنا الأدب العراقي، من جيل الرعيل الأول حتى أصوات اليوم، أن الكتابة لا تُكافأ، بل تُعاش. أن القصيدة لا تُؤلّف، بل تُنتزع من الجرح. أن الرواية لا تُروى فقط، بل تُحيا حتى تُكمل حكايتها.سيبقى الأدب، كما قال ألبرتو مانغويل، “ذاك النَفَس الذي يعبر بين السطور ليوقظ وعياً كان نائماً”. وسنبقى، نحن الكتّاب، نصرخ في العتمة، ليس لأننا نريد من يسمع، بل لأننا لا نطيق الصمت.فمن يقرأ الأدب؟ من يفهم الجمال؟

ربما القلّة.لكن هذه القلّة، هم ورثة المعنى، وحُماة اللغة، وسلالة الضوء!!

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *