4-المسرح العراقي… لماذا هرب من جمهوره؟!!

4-المسرح العراقي… لماذا هرب من جمهوره؟!!
لم يكن المسرح، في يوم من الأيام، مجرد منصة لعرض الحكايات، أو استعراض الحركات والإيماءات تحت أضواء باهتة، بل كان وما يزال، الضمير الذي يشهر صرخته...

لم يكن المسرح، في يوم من الأيام، مجرد منصة لعرض الحكايات، أو استعراض الحركات والإيماءات تحت أضواء باهتة، بل كان وما يزال، الضمير الذي يشهر صرخته بوجه القبح، والسوط الذي يلهب ظهر السكون، والنافذة التي نطلّ منها على أعماقنا، لنعيد ترتيب الخراب بما يليق بكرامة الإنسان.لكن، أين هو المسرح العراقي اليوم؟ ولماذا توارى خلف ستائر الصمت، وتراجع حتى هرب منه جمهوره، أو لعله هو من هرب من جمهوره، خائفاً، مهزوماً، عاجزاً عن المواجهة؟

كان المسرح العراقي، لزمن طويل، واحداً من أكثر المسارح العربية قدرة على الاشتباك مع الواقع، لا بالمباشرة الساذجة، بل بالرمز والدلالة، بالسخرية المرة حيناً، وبالملحمة المؤلمة حيناً آخر. جيل الستينيات والسبعينيات، وحتى جزء من الثمانينيات، عرف ما معنى أن تذهب إلى المسرح لا لتشاهد، بل لتُصدم، لتفكر، لتتحول. كانت مسرحيات يوسف العاني، وقاسم محمد، وعوني كرومي، تخاطب العقل وتستفز الوجدان. لم تكن مجرد عروض، بل  وقائع حية، تحثّ على الأسئلة، وتخلخل اليقين. جمهور المثقفين، والطلبة، والعمال، كان يقف في طوابير ليحجز مقعده في الخشب المقدس.

لكن الزمن دار، ومعه دارت النوايا، وانطفأت الرغبة في التغيير، فصار المسرح مكاناً للهروب، لا للمواجهة. اختفت الجرأة، وتوارى الوعي، وراح المسرحي يبحث عن وسيلة ترضية لا عن فكرة تمرّد. لماذا؟ لأن المسرح صار مرتهناً للسلطة، لأي سلطة: سياسية، دينية، مالية. صار المسرحي موظفاً في بلاط الممول، لا شاهداً على العصر. ولأن الجمهور أدرك ذلك، ابتعد. كيف له أن يثق بمسرح لا يواجه، بل يتواطأ؟ بمسرح لا يسائل، بل يروّج؟!

حين نقرأ شكسبير، لا نقرأ ملكاً يتهدج صوته على الخشبة، بل نقرأ الإنسان الممزق بين الطموح والخيانة، بين السلطة والندم. حين نشاهد “هاملت”، نحن لا نتابع قصة انتقام، بل نغرق في أسئلة الوجود والضمير. وعندما نرى “البخيل” لموليير، لا نضحك من بخل هاربغ وحده، بل نضحك على ما فينا من جشع وجبن. إيبسن في “بيت الدمية” وضع المرأة في قلب سؤال الحرية، فيما بريخت أعاد للمسرح وظيفته النقدية، جعله ساحة لتحريك الوعي لا لتنويمه. فهل يمكن مقارنة هذا كله بما نشاهده اليوم من عروض استهلاكية، لا هدف لها سوى إضحاك سطحي، أو تمجيد أجوف، أو عرض ساذج بلا حس جمالي ولا فكر إنساني؟

الجواب واضح: لا يمكن. وهذا هو سبب الهروب.المسرح، في حقيقته، لا يعيش إلا بالصدق، ولا ينجو إلا بالمواجهة. هو فن “المجابهة”، كما يسميه الكثير من المفكرين، وإذا فقد هذه القدرة، فقد مبرر وجوده. المسرح لا يُرضي، بل يصدم. لا يتملق، بل يكشف. هو مرآة مقلوبة ترى ما لا يُرى، وتسمّي الأشياء بأسمائها، ولو كانت موجعة. لذلك بقي مسرح بريخت حياً، ومسرح سعد الله ونوس مقاتلاً، ومسرح الرحبانيين مُلهِماً، ومسرح غروتوفسكي مختبراً لا يُمل.

أما في العراق، فقد خسر المسرح عافيته حين انفصل عن جمهوره، حين خاف أن يُغضب، حين اختار السلامة على المواجهة. لقد هرب من أسئلتنا الكبرى: من نحن؟ إلى أين نمضي؟ لماذا يُذبح العراقي ولا يصرخ أحد؟ لماذا تُهدر الكرامة ولا نثور؟ لماذا صار القاتل مصلحاً واللص نزيهاً؟ المسرح الذي لا يطرح هذه الأسئلة، لا يستحق أن نمنحه ساعة من أعمارنا.ولذلك، على المسرحي العراقي اليوم، إن أراد استعادة جمهوره، أن يتطهّر أولاً من وهم النجومية، ومن إدمان المهرجانات الفارغة، ومن فكرة المسرح كمنتج زينة أو مادة تلفزيونية. عليه أن يعود إلى الخشبة كمكان للحقيقة، كمحراب للقلق، كمحرقة للزيف. عليه أن يُوجع، أن يُخيف، أن يَسخر، أن يُحرض. عليه أن يعيد للمتلقي مكانته، لا كمجرد مشاهد، بل كفاعل، كمفكر، كمتمرد.إن المسرح، كما قال بيتر بروك، يمكن أن يبدأ برجل يقف على خشبة ويتحدث، إذا كان صادقاً، إذا كان يحمل ناراً في صدره. أما إذا فقد تلك النار، فلا جدوى من التقنيات، ولا من الديكورات، ولا من المؤثرات. فالجمهور لا يعود ليصفق، بل ليحترق.فهل نملك تلك النار؟

أم أن مسرحنا سيبقى يلهو في العتمة، متوهماً أنه ما زال يضيء؟

السؤال لنا جميعاً…فلنجب بصدق، قبل أن ينطفئ آخر ضوء على الخشبة!

وما يثير الحزن أن ثمة من يعتقد أن جمهور المسرح العراقي مات، أو تبلّد، أو لم يعد يملك ذائقة تُمكنه من تذوق الفن الرفيع. وهذا، في الحقيقة، هروب جديد من المسؤولية. الجمهور العراقي لم يمت، بل اغتيل ذوقه بالتكرار الممل، والتسطيح الفكري، والعروض التي لا تملك حتى شرف المحاولة. جمهورنا حيّ، جائع إلى ما يهزه ويوقظه، لكنه لم يعد يثق بالمنبر الذي خذله، مرة تلو أخرى. هو لم يبتعد من تلقاء نفسه، بل طُرد بهدوء، حين استُبدلت الأسئلة العظيمة بالهزل الرخيص، وحين تحوّل المسرح إلى سوق دعائي للمناسبات والجهات، لا مكان فيه للمعاناة، ولا لصرخة الحقيقة.أيها المسرحيون، لا تقولوا إن الحرب والدمار والاحتلال والفساد والميليشيات منعتكم.

هذه كانت، وتبقى، مواد خام لمسرح ثائر، لا مسوغات للتراجع. هل نسيتم أن بريخت كتب أروع نصوصه تحت سطوة النازية؟ وأن سعد الله ونوس أبدع تحت استبداد لا يرحم؟ أن غروتوفسكي حوّل غرفة مظلمة إلى طقس روحي يغيّر البشر؟ أن مسرح العبث نفسه وُلد من رحم الدمار بعد الحرب العالمية الثانية؟

أن تقول إن الظروف لا تسمح، يعني أنك لست مسرحياً. المسرحي لا ينتظر الظروف، بل يصنعها. لا ينتظر الإذن، بل يفرض حضوره. خشبة المسرح لا تحتاج إذناً من أحد لتقول الصدق، فقط تحتاج إرادة. تحتاج صدقاً في النية، وحرقة في القلب، وقضية تشبه الجرح العراقي المفتوح.تراجع المسرح العراقي ليس قدراً، بل نتيجة.  لتخلي الكبار عن دورهم، ولتكرار الصغار دون فهم، ولصمت الجمهور حين وجب أن يصرخ. وما لم نعد جميعاً، كل منّا من موقعه، لإشعال ذلك اللهيب، فلن يكون أمامنا سوى مسارح خاوية، وعروض تافهة، وجمهور يزداد بُعداً يوماً بعد آخر.

الخشبة تنتظرنا، لا لتنقذنا، بل لننقذ  ذواتنا بها. لنقل ما لا يُقال، لنصرخ بما لا يُسمع، لنوقظ ما فينا من إنسان. تلك هي رسالتنا… لا أن نرضي، بل أن نحرّض. لا أن نعرض، بل أن نغيّر. لا أن ننجو، بل أن نحترق لنُضيء.فهل نجرؤ؟

هل بقي بيننا من يملك قلباً يشبه خشبة المسرح: فقيراً، صادقاً، لكنه لا يهادن؟

هل بقي من يعرف أن الفن، حين لا يكون سلاحاً، يصبح أداة بائسة للتزييف؟

يا مسرحيي العراق… كفى نوماً.لقد آن أوان العودة.فالجمهور لا ينتظر مسرحاً يرضيه، بل مسرحاً يوقظه.

وحين يفيق الجمهور… يبدأ التغيير.!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *