ما عاد الشعر في راهنه العربي والعالمي يحتل مركز الفعل الجمالي والتأثير الثقافي كما كان، وكأن تلك السلطة التي كانت له قد تناثرت في زحمة التحولات القيمية، وسقوط المعايير، وتغير الذائقة، وتفكك البنية الاجتماعية التي طالما غذّت الحاجة إلى القصيدة. لقد أصبح السؤال عن قارئ الشعر اليوم سؤالًا وجوديًا بامتياز، يتقاطع فيه التاريخي بالاجتماعي، ويتنازع فيه الذاتي والجمعي، في ظل واقع باتت فيه الثقافة مرتهنة للمرئي والعابر، لا للمجرد والدائم. الشاعر، وهو ينتج خطابه الجمالي، لم يعد مطمئناً إلى وجود متلقٍّ يتلقى النص بوصفه ضرورة معرفية أو وجدانية، بل أصبح معلقاً في فراغ يتسع يوماً بعد آخر.
حين قال الشاعر الألماني هولدرلين: “للشعراء أن يسكنوا هذا العالم شعرياً”، كان يعلن عن وظيفة كونية للشاعر، تعبر الوجود وتخلّده. غير أن سؤالنا اليوم لا يتعلق بالكيفية التي يُنتج بها الشاعر شعره، بل بالكائن الذي يتوجه إليه هذا الخطاب في زمن استُبدلت فيه الصورة بالشعور، والمعلومة بالمعرفة، والسطح بالعمق. وفي هذا السياق، لا بد من استعادة شهادات مفكرين وشعراء أعادوا النظر في ماهية الشعر ووظيفته وقيمته.الشاعر الفرنسي بول فاليري كان يرى أن الشعر ليس ما يُقال، بل ما لا يمكن قوله بطريقة أخرى، مما يعني أن الشعر يتصل بجوهر التعبير لا بمحتواه الظاهر، ومن هنا خطورته وفرادته. أما ت. س. إليوت، فيعتقد أن الشعر الجيد لا يعبّر عن مشاعر الشاعر، بل عن مشاعر أكبر منه، أي تلك المشاعر الجمعية التي يصوغها الفنان عبر وعيه الشخصي وتقنيته الجمالية. لكن هذا الانفصال بين الشاعر وذاته لا يمكن أن يتحقق إلا في مجتمع يُحسن الإصغاء للفن ويعي ضرورته. وفي ظل خفوت هذا الإصغاء، تتضاءل فاعلية الشعر ويغدو محكوماً بالنخبوية أو العزلة.في الفضاء العربي، كتب أدونيس مراراً عن تراجع العلاقة بين الجمهور والشعر، وذهب أبعد من ذلك حين قال: “لم يعد الشعر العربي بحاجة إلى جمهور، بل إلى قارئ واحد يلتقط جوهر التجربة ويعيد بناءها داخلياً.” هذه العزلة التي يتحرك بها الشعر اليوم، ليست دليل موت، وإنما دليل على عمق تحوّل في ماهية التلقي. لقد بات الشعر يطلب قارئاً متورطاً لا متفرجاً، قارئاً يشارك في إنتاج المعنى لا في استهلاكه.
يقول خورخي لويس بورخيس إن الشعر هو اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن كونه عادياً. لكن هذا التوقف لم يعد مرغوباً في عالم تحكمه السرعة والإنتاجية؛ ولذلك أصبح الشعر عبئاً على السوق، وعلى المدرسة، وحتى على الذائقة اليومية. في شهادة لبيسوا، يقول: “أنا أكتب لأن العالم ليس كافياً.” هذا النقص الذي يحاول الشعر تعويضه لا يجد صداه في عالم يمتلئ بالفائض الزائف، ويقمع كل محاولة للعودة إلى الذات.
إن تراجع قراء الشعر لا يعني بالضرورة موت الشعر، بل قد يكون دليلاً على أن الشعر بدأ يستعيد طبيعته الأصلية بوصفه فعلاً داخلياً، ميتافيزيقياً، لا يُخضع لمعيار المنفعة أو الجمهور. من يقرأ الشعر اليوم؟ يقرؤه من لا يحتمل العادي، من يرى في اللغة بيتاً للوجود، من يكتشف في كل بيت شعري قلق السؤال لا طمأنينة الجواب. الشعر، إذن، لا يندثر، بل يتخفى، لا يموت، بل يتحول، منتقلاً من الفضاء العمومي إلى الذوات القلقة، من ضجيج الجماعة إلى صمت الفرد.وإذا ما تأملنا في شهادة الشاعر الإيطالي أوجينيو مونتالي، الذي حاز نوبل عام 1975، فإننا نقرأ اعترافاً نادراً بصوت الشاعر القَلِق على مصير لغته: “الشعر ليس للشرح، بل للمشاركة في المجهول، ومن لا يحيا المجهول لا يحتاج الشعر.” في هذا التصور، يصبح الشعر طقساً من طقوس العبور إلى مناطق يصعب الوصول إليها عبر اللغة اليومية أو الخطابات المؤدلجة، لكنه في الوقت ذاته يضع الشعراء في عزلة لا بسبب جفافهم، بل لأن المتلقّي فقد حاسته الرابعة، تلك التي تُدرك الماورائي والجوهري.أما سوزان سونتاغ، فتنظر إلى الشعر بوصفه مقاومة للصوت العالي، للصورة الطاغية، للابتذال المعرفي، وتكتب: “الشعر، بهذا التحديد، هو نداء مضاد… هو صوت يحفر في العتمة، لا في الضوء الفجّ.” وهذا التوصيف يعيد إلى أذهاننا أن الشعر لا يُعنى بالوضوح الذي تلهث وراءه الوسائط المعاصرة، بل بالغموض الذي يدعو القارئ للتورط، لا للتلقي المجاني. من هنا فإنّ فقدان الشعر لجمهوره لا يعني انهياره، بل ارتقاؤه إلى مقام نخبوي مختلف، لا بمعناه الطبقي بل بوصفه مسعى روحياً وفكرياً متقدماً.في السياق العربي، لطالما عبّر محمود درويش عن إدراكه لهشاشة العلاقة بين الشعر والناس في زمن العولمة، لكنه كان، مع ذلك، يراهن على الشعر بوصفه “ذاكرة مقاومة”، لا تُقاس بكثرة جمهورها، بل بعمق ما تثيره من أسئلة. وفي مقابلة له قال: “نكتب الشعر لا لنُرضي أحداً، بل لنقاوم هذا الانهيار في المعنى.” هنا يتجلى الشعر كمواجهة لا كعرض، كصراع لا كزينة لغوية.
وهذا هو ما يجعل استمراره ممكناً، رغم كل ما يُقال عن نهايته.ويكتب إزرا باوند، وهو من أبرز منظّري الحداثة الشعرية: “الشعر يسبق الزمن، لا يواكبه.” بهذا التصور ينقلنا إلى فهم عكسي للغياب؛ فغياب الجمهور عن الشعر قد لا يكون غياباً بقدر ما هو تأخُّر، فالقارئ لم يلتحق بعدُ بمستوى الخطاب الشعري الذي وُلد مسبقاً على إيقاع أسئلة لم تحن أجوبتها بعد. ولعل هذا ما يفسر عودة القراء، بعد عقود، لقراءة نصوصٍ كُتبت في عصور لم تكن مفهومة زمن إنتاجها.حين نُعيد طرح السؤال: من يقرأ الشعر؟ فإننا لا نبحث عن إحصاء أو نسبة، بل عن تلك الكينونة القادرة على تفعيل النص شعورياً وفكرياً. إن الشعر، كما يصفه هايدغر، هو مسكن الكينونة، وما من أحد يسكن بيتاً دون أن يشعر بأنه ينتمي إليه. القارئ اليوم لم يغادر الشعر، بل هُجّر منه، تحت ضغط الإعلام، والتعليم الأحادي، وثقافة السوق، والرداءة. وما يحتاجه الشعر ليس استعادة الجمهور، بل استعادة المعنى، وعبره، استعادة الذائقة التي تفتح أبواب البيت من جديد.ولعلّنا، في ضوء هذا المسار المتعدد الأصوات، نصل إلى خلاصة لا تحمل يقينًا، بل تساؤلاً أكثر عمقاً وإيلاماً: هل تغير الشعر أم تغيّر العالم من حوله؟ إذا كان الشعر، كما يرى والاس ستيفنز، “الوسيلة التي تبتكر بها الذاتُ نفسها”، فإنّ غيابه من المشهد ليس نقصًا في الإنتاج، بل هو دليل على أزمة أعمق في تكوين الذات الحديثة، التي لم تعد تجد في الشعر مرآتها أو لغتها أو خلاصها. لقد أُقصي الشعر لأن الإنسان نفسه بات مقصيّاً من ذاته، منشطراً بين فائض الصورة وعجز المعنى.
الشعر لم يمت، لكنه لم يعد يُكتب بالطريقة ذاتها، ولا يُقرأ كما كان يُقرأ. لقد تخلّى عن المنبر ليعود إلى الورقة، عن الجموع ليخاطب الفرد، عن الاحتفال ليتمتم في الزوايا. وفي كل ذلك لا يبدو خاسرًا، بل مستعيدًا لحقيقته الجوهرية. فمن يقرأ الشعر اليوم؟ من لا يحتمل الزيف، من ضاق بالحياة دون نغمتها الخفية، من لا يرى في الكلمات مجرد أدوات بل مفاتيح لمجاهل النفس والعالم.إنَّ السؤال الحقيقي ليس: من يقرأ الشعر؟ بل: كيف نصغي إليه مجددًا؟ كيف نهيئ أنفسنا لسكناه فينا؟ كيف نتحرر من وهم الجدوى والربح والتلقي السهل لنستعيد شغف التأمل، ورهبة الجمال، ونشوة الغموض؟ في الإجابة على ذلك تكمن عودة الشعر، لا كسلعة ثقافية، بل كضرورة وجودية لا غنى عنها.!!


