لا تعلم النساء إنهن يتشابهن كثيرا في العقود الأخيرة، ذات الأنوف و الشفاه و الحواجب و الوجنات الحادة، يبدين بنات عائلةٍ واحدة، حتى الشعر المنسدل على الأكتاف، و الأبتسامة التي تبدو مسروقة، و ربما أصواتهنّ و أسنانهنّ وحركات أيديهن، ربما يعلمن، لكن ليس هذا مهما أبدا بقدر أن تنام إحداهن تحت المشارط التي ستضيف لمسات جديدة شتى، الأمر لا يعدو كونه إرضاء ذات قلقة تريد أن تبدو أجمل ولو لم تبدُ في الحقيقة أجمل بعد تلك اللمسات الجراحية، تظهر الوجوه المتشابهة، من الشاشات، من مواقع التواصل المختلفة، حتى في الشوارع والأسواق..الوجوه ذات الوجوه. الخدود المنخسفة والأنوف المستقيمة والشفاه المتورمة والأسنان التي بلا عيوب والأجساد المحشوة بالسليكون والكولاجين، يمتلأ العالم بها، تشبه الدمى..حلوة بطريقة ما، جامدة وحادة، تتحدى خلايا الجسد الخائفة من السنين..تتحدى كريات الدم الحمر والبيض، الشرايين..اللحم والجلد، لكنها هناك، أمام سطوة العقل والقلب تقف مشدوهةً بلا حراك، حيث موضع الروح..الألم والفرح والحب والفشل والنجاح، حيث لا تفلح المشارط في زرع ابتسامةٍ عميقة ولا تنجح في تكوين إحساس بالشغف، ينبع من العينين فتبدوان أجمل وأبعد غورا وأكثر دهشة.
تتغير الملامح، تبدو مثالية، تشمخ الأجساد، كلّ خصرٍ تمّ نحتُه بحرفية،
لكن الأرواح لم تُمس، بقبحها، بنقائها، بجنونها، بألمها الدفين، ببحثها الدائب عن الجمال حتى لو كان مستنسخا، هذا ما ظننتهُ على الأقل. تلك المرأة التي اعرفها مثلا، ذات الأنف العريض قليلا ، والخدود الممتلئة، والتعرجات التي رسمتها السنون الأربعون على الوجه، هي أيضا رغبت أن تكون دمية، كنتُ قريبةً من روحها القلقة و هواجسها الوثابة، لكني عندما رأيتها فيما بعد، صدمني الشعور بالغربة تجاهها، كانت واحدة منهنّ ليس إلّا، بحثتُ عن تلك الألفة، و الضحكة الودودة، في وجهها المشدود، و بشرتها المتشنجة، لكني لم أر سوى سحنة باهتة لامرأة غريبة، خطر لي أن قلبها بالتأكيد هو ذات القلب النقي الذي أحببتُه، فمشارط ومقصات الجراحين لن تقترب من الأرواح، مددتُ يدي نحو قلبها، كان ينبض بعنف..مثل ماكنة تعمل بطاقتها القصوى…عجبا! إنه ليس ذات القلب، عرفت ذلك، من عينيها الكامدتين، لكن هل يشتغلون الآن على الأرواح؟
سقط سؤالي في الفراغ، لم انتظر منها إجابة، هرعتُ إلى المرآة، هل تشتاق النساء إلى ملامحهنّ القديمة؟ هذه التعرجات حول العينين، وعيوب الأسنان، سأحفظها جيدا، لن أبقى وحيدة…لكن قلبي هنا، هذا القلب الذي يُنتجُ شعرا، ويحب بلا هوادة…حتى ألمي، والقلق الذي يصنعُ خيالا جامحا، كلّ هذا أريده أن يرافقني، الألق الذي يلحظه الناس في عينيّ سيكون ضاجا، والحزن الذي يضفي لمسةً حنون، كلّه سأحملهُ معي إلى عيادة الطبيب لأغدو مثلهن، مثل صديقتي، لكن روحي معي، تولد من جديد مع وجهٍ مختلف.
كانت هنالك آلات كثيرة، حادة.. مذهلة، لوهلة بدا الأمر مشوقا، سيكون كلّ شيء بخير، لا خوف على الشِعر أبدا..على كلّ شيء بداخلي، لكن من يدري قد يمسون روحي بلا قصد، فبالأمس رأيتُ أرواحاً مُسّت وعيون انطفأت، والدمى تجوب العالم، بلا شغفٍ..بلا قدرة ٍ على الإذهال! سأشبههم حتما، حتى روحي لن تسلم..لكن ما العمر سوى مجازفة..وتجربة، وجموح؟! كيف سأعرفني غدا وأنا أحببت نفسي إلى هذا الحد؟ أحببتُ ما أنا عليه…


