أضع أمام أنظاركم سيناريو مستقبلي في غاية الأهمية والخطورة يتعلق بمصير الأمة العراقية. هل يُعقل أن يبقى الاقتصاد الوطني مرهونًا ببرميل النفط وحده؟ في الوقت الذي تُترك فيه قطاعات حيوية مثل الزراعة، والصناعة، والتجارة، والاستثمار، التي يمكن أن تكون ركيزة للنهوض بالعراق وتعزيز استقلاله الاقتصادي، دون استغلال أو تطوير حقيقي.
أيها السادة، يشهد العالم توجهًا متسارعًا نحو التحول إلى الطاقة النظيفة، حيث تسعى دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والهند، إلى جانب العديد من الدول الأوروبية والآسيوية الأخرى، لاعتماد الطاقة الكهربائية واستبدال الوقود الأحفوري ببطاريات في وسائط النقل من سيارات وشاحنات وغيرها. بل إن هذه الدول قد بدأت بالفعل بتنفيذ اتفاقيات ملزمة بمنع تصنيع وبيع السيارات العاملة على الوقود التقليدي، مع تحديد مواعيد نهائية لذلك، معظمها في حدود عام 2030.
تشير التقارير الاقتصادية العالمية إلى أن هذا التحول سيؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على النفط بأكثر من النصف خلال سنوات قليلة، مع العلم أن 68% من الإنتاج النفطي العالمي اليوم يُستخدم كوقود لوسائل النقل. وبحسب مراكز الدراسات الاقتصادية المتخصصة، فإن هذا الانخفاض سيؤدي إلى هبوط أسعار النفط إلى ما يتراوح بين 15 و25 دولارًا للبرميل الواحد.
لقد كان دخل العراق من النفط في عام 2017 يُقدر بحوالي 60 مليار دولار، وهو مبلغ يقل بحوالي 20 مليار دولار عن الحد الأدنى المطلوب لتغطية الموازنة العامة، مما دفع البلاد إلى الاقتراض لتغطية العجز. ومع تزايد الدين العام وتراجع الإيرادات النفطية المتوقعة في المستقبل، قد ينخفض الدخل النفطي إلى حدود 15 مليار دولار سنويًا، مما يعني عجزًا هائلًا يصل إلى 65 مليار دولار.
أيها السادة النواب، هذا الواقع القادم يتطلب منكم التخطيط العاجل ووضع استراتيجيات وسيناريوهات لمواجهة الأزمة الاقتصادية الحتمية. العراق، رغم ثرواته النفطية، لم يستفد منها كما يجب على مختلف المستويات، وإذا استمرت هذه الحالة، فإن الشعب العراقي سيواجه كارثة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.
لذلك، يجب اتخاذ إجراءات سريعة تبدأ بتشكيل لجنة من الخبراء الاقتصاديين والتخطيطيين، ترتبط مباشرة برئيس الوزراء وتعمل تحت إشراف مجلس النواب . تكون مهمتها إعداد خطة اقتصادية وطنية شاملة تُعرض على مجلس النواب لإقرارها، على أن يتم تنفيذها على مراحل وبسقوف زمنية محددة وصارمة.
أيها السادة، ما نطرحه هنا ليس مجرد تحذير، بل دعوة لتحمل المسؤولية الوطنية تجاه أجيال المستقبل، وضمان استقلال العراق الاقتصادي بعيدًا عن الاعتماد الأوحد على النفط. هذا السيناريو قادم لا محالة، وعلينا أن نكون مستعدين لتفادي المخاطر التي ستواجه بلادنا.
ختامًا، أؤكد أن قيمة العراق لا تُقدر بثرواته الطبيعية فقط، بل بمقدار وعينا وإخلاصنا في إدارته وحمايته.


