في أفق الفكر الإنساني، حيث تتنازع الحقائق وتتعدد الرؤى، يتجلى سؤال وجود فرقة واحدة ناجية كسؤال جوهري لا يقبل الهروب منه. هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو صرخة بحث عن اليقين وسط دوامة الشكوك، حيث تتناسل المذاهب وتتكاثر الفرق، ويقف الإنسان حائرًا بين أنوار متفرقة وادعاءات متناقضة. غير أن منطق الحق ذاته، بما يحمله من وحدة وصفاء، يؤكد لنا أن التعدد في جوهره لا يمكن أن يكون إلا خاصية الباطل، بينما الحق واحد لا يتجزأ، لا يزاحمه حق آخر، ولا يتعدد في وجوهه، تمامًا كما أن النور واحدٌ بينما الظلمات متعددة.
حتمية الفرقة الناجية بين النص والمنطق
القرآن الكريم يرسم هذه الحقيقة بوضوح في قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢٥٧ البقرة )
إنها حقيقة وجود نور واحد يقابله تعدد للظلمات، إذ لا يمكن للنور أن يكون متعددًا، لأنه رمز للوضوح، للاستقامة، وللحق المطلق. أما الظلمات، فهي في جوهرها تمثل الباطل، والانحراف، والتعدد الذي يعكس تشتت الأهواء واختلاف المذاهب. فكما أن الحقيقة لا يمكن أن تكون إلا واحدة، فإن وجود فرقة واحدة ناجية أمر حتمي، لا يتطلب برهانًا أو دليلًا، لأن طبيعة الحق تفرض وحدته، في حين أن الباطل بطبيعته يتكاثر ويتشعب.
العصمة والمعصوم ضمانة النجاة في بحر الظلمات
في قلب هذا التصور، يتجلى مفهوم العصمة كركيزة أساسية لضمان هذه الوحدة، إذ كيف للحق أن يصمد عبر الزمن وبين أمواج التغيير دون وجود من هو معصوم عن الخطأ؟
إن وجود المعصوم ليس ترفًا عقائديًا، بل ضرورة عقلية ومنطقية، لأن الحق إذا تُرك للبشرية وحدها، ستتعدد قراءاته وتأويلاته، وسيضيع في زحام الأهواء والتفسيرات المتباينة.
العصمة هنا هي صمام الأمان الذي يحفظ هذه الفرقة الناجية من الانحراف، ويجعلها ثابتة على مدار الزمن، فلا تتلون بألوان العصر، ولا تنحني أمام رياح التغيير.
كما أن المعصوم هو الضوء الذي يهدينا عبر ظلمات الفرق المتعددة، وهو الحجة الدائمة التي تحفظ هذا النور من أن يخبو. أتباع المعصوم هم الذين ينالون هذا الامتياز، لأنهم يستندون إلى من لا يخطئ، ومن لا تزيغه الشهوات، ومن لا تؤثر فيه الأهواء.
تعدد الفرق سمة الباطل وليست ميزة الحق
إن تعدد الفرق ليس دليلًا على صحة أي منها، بل هو دليل على هشاشة الباطل، فالباطل بطبيعته لا يستطيع أن يستقر على حال، ولا أن يتوحد تحت راية واحدة، لأن منبعه الأهواء والمصالح، وهذه بطبيعتها متغيرة متناقضة.
أما الحق، فهو كالنور، يظل ثابتًا رغم كل ما يحيط به من ظلام. فالفرقة الناجية ليست مجرد احتمال من بين احتمالات، بل هي الحقيقة الوحيدة التي يفرضها منطق النور ذاته، تمامًا كما أن نور الشمس لا يقبل أن يتعدد، بينما الظلام يتعدد بتعدد الغيوم والحجب.
ومن هنا، فإن الفرقة الناجية ليست خيارا، بين خيارات، بل هي حتمية عقلية وإيمانية، يفرضها منطق الحق ذاته
الخوف من حتمية الفرقة الناجية
لكن هنا يظهر التحدي الحقيقي، لماذا يخشى البعض الاعتراف بحتمية وجود فرقة واحدة ناجية؟
لأن هذا الاعتراف يعني بالضرورة أن كل ما سواها من مذاهب وفرق إنما هو جزء من الظلمات، وهذا ما لا يرغب الكثيرون في مواجهته.
إن الاعتراف بأن هناك نورًا واحدًا يعني أن كل ما عدا هذا النور ليس إلا ظلالاً وخيالات، ويعني أن على الإنسان أن يعيد النظر في كل ما آمن به سابقًا، ويخضع نفسه لمراجعة مؤلمة.
تمامًا كما أن البعض يخشى فكرة العصمة لأنها تُلزمه باتباع من لا يخطئ، فإن البعض يخشى فكرة الفرقة الناجية لأنها تُلزمه بالتخلي عن كل ما اعتاد عليه، والبحث عن هذه الفرقة في ظلمات التعدد المربك.
حتمية النجاة وحتمية العصمة
الحق، في نهاية المطاف، ليس أمرًا نسبيًا، وليس لعبة احتمالات، بل هو حقيقة مطلقة تفرض وجودها رغم كل محاولات التشكيك.
إن القول بوجود فرقة ناجية واحدة، ليس مجرد رأي، بل هو ضرورة منطقية لأن الحق لا يمكن أن يتعدد، ومن ثم فإن النجاة لا يمكن أن تكون إلا من خلال هذه الفرقة الواحدة.
ووجود هذه الفرقة يستدعي وجود معصوم يقودها، لأن النجاة لا تتحقق إلا بالتمسك بمن لا يخطئ، تمامًا كما أن السفينة لا تنجو في العاصفة إلا إذا كان ربانها ماهرًا معصومًا عن الخطأ.
الفرقة الناجية حتمية لا تقبل المساومة
في نهاية المطاف، الفرقة الناجية ليست مسألة اختيارية، بل هي حتمية وجودية، يفرضها منطق الحق ذاته، تمامًا كما يفرض النور نفسه رغم تعدد الظلمات.
من يبحث عن النجاة في بحر المذاهب المتلاطمة، لا بد أن يبحث عن النور الواحد الذي لا يتعدد، عن العصمة التي لا تخطئ، وعن المعصوم الذي لا يضلّ، لأن كل ما سواه لا يعدو أن يكون سرابًا في صحراء الحيرة.
العصمة هنا ليست مجرد فكرة عقائدية، بل هي حجة النجاة، والفرقة الناجية ليست احتمالاً، بل هي حقيقة محتومة، لأن الحق لا يقبل التعدد، تمامًا كما أن النور لا يتعدد، ولو كره المشككون.
جليل هاشم البكا


