بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم يعد السؤال السوري مقتصراً على استعادة الأموال التي راكمتها شبكات السلطة السابقة، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك حق إدارة هذه الثروة، ومن يراقب التصرف بها، ولمن ستعود عائداتها؟ هنا تبرز قضية الصندوق السيادي السوري، الذي أُنشئ عام 2025 ليكون أداة لإدارة الأصول والاستثمار وإعادة تحريك الاقتصاد، لكنه بات يثير تساؤلات تتجاوز حجم ممتلكاته إلى طبيعة السلطة الاقتصادية التي تتجمع داخله.
كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» أن الصندوق تولّى إدارة شبكة واسعة من الأصول والشركات والعقارات والمصانع والحصص المصرفية المرتبطة بالدولة ورجال أعمال من دائرة النظام السابق، في وقت نُسب إلى وزير المالية تقدير قيمة أصوله بنحو 50 مليار دولار. غير أن هذا الرقم لم يُدعّم بإفصاح مالي شامل يتيح التحقق المستقل منه، كما لم ينشر الصندوق كشفاً كاملاً بممتلكاته وإيراداته. وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليست العبرة بضخامة الثروة المعلنة، بل بمدى وضوح مصادرها وقيمتها الفعلية وآليات إدارتها والجهات التي تراقبها.
وتزداد حساسية الملف مع ورود اسم إبراهيم سكرية، المعروف بـ«أبو مريم الأسترالي»، في تقارير صحفية بصفته مديراً للصندوق. وقد أوردت «فايننشال تايمز»، استناداً إلى أشخاص قالوا إنهم التقوا به، أنه يتولى هذا الدور، فيما لم يظهر مرسوم تعيين رسمي منشور باسمه في السجل العام الذي تناولته التقارير. وهذه ليست ثغرة شكلية؛ فمرسوم تأسيس الصندوق ينص على تعيين مديره العام بمرسوم، ما يجعل الإعلان الرسمي عن هوية المسؤول وصلاحياته ومساءلته جزءاً من مقتضيات الحوكمة، لا تفصيلاً إدارياً يمكن تجاوزه.
ويضيف سجل العقوبات الأسترالي بُعداً قانونياً إلى القضية. فقد أعادت أستراليا إدراج إبراهيم سكرية، المعروف في السجلات الرسمية باسم Abraham Succarieh، ضمن قوائم العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما أدرجته عام 2018 على أساس ادعاء انتمائه إلى «جبهة النصرة». وتترتب على الإدراج قيود قانونية تتعلق بالتعامل مع أصوله وإتاحة الأموال له أو لمصلحته. لكن الدقة تقتضي التمييز بين العقوبات المالية والإدانة القضائية: فالإدراج ليس حكماً جنائياً بحد ذاته، ولا يثبت تلقائياً أن الصندوق خالف القانون أو أن أصوله خاضعة للعقوبات. لكنه يفرض ضرورة التحقق من طبيعة دور سكرية الفعلي، ومن أي تعاملات قد تستلزم مراجعة قانونية ومالية.
ولا تنحصر الأسئلة في هوية المدير، بل في بنية الصندوق نفسه. فحين تتجمع أصول واسعة تحت مؤسسة مرتبطة مباشرة بالرئاسة، يصبح الفصل بين القرار السياسي والإدارة الاقتصادية المستقلة اختباراً جوهرياً. ومن دون نشر قوائم الأصول المنقولة، وقيمها التقديرية، والجهات المستفيدة من التسويات، ونتائج التدقيق المالي، يصعب التأكد من أن الصندوق يؤسس اقتصاداً مؤسسياً خاضعاً للمساءلة، لا مركزاً جديداً لتركيز الثروة والنفوذ.
وتكشف الاتفاقات الاستثمارية، ومنها مشروع «دمشق الجديدة» الذي أُعلن عنه بالشراكة مع شركة «أرادا» الإماراتية بقيمة معلنة تبلغ سبعة مليارات دولار، عن طموح لاستقطاب رأس المال الخارجي وتوسيع النشاط الاقتصادي. لكن القيمة المعلنة لمشروع استثماري لا تعني أن المبلغ دُفع بالكامل أو أن المشروع نُفّذ. والمعيار الحقيقي هو شروط العقود، وتوزيع المخاطر والعوائد، وفرص العمل التي توفرها، ومدى انعكاسها على حياة السوريين، لا ضخامة الأرقام في البيانات الرسمية وحدها.
أما الأصول المصادَرة من رجال أعمال ارتبطوا بالنظام السابق، فلا يكفي تبرير نقلها إلى الصندوق بوصفه استرداداً للثروة العامة. فكل عملية تحتاج إلى أساس قانوني واضح وإجراءات قابلة للمراجعة، مع إتاحة الاعتراض على الملكية والتقييم والتسوية، والتمييز بين الأموال المتحصلة من الفساد وبين الحقوق الخاصة والنزاعات التي لم تُحسم قضائياً. وإلا فقد يتحول شعار استعادة الأموال إلى غطاء لإعادة توزيعها من دون ضمانات كافية، أو إلى مصدر جديد للنزاع على الملكية.
في المحصلة، لا يُقاس نجاح الصندوق السيادي بحجم الثروة التي يسيطر عليها، بل بقدرته على إخضاعها للقانون والرقابة والإفصاح. فسوريا لا تحتاج إلى استبدال شبكة مغلقة بأخرى، ولا إلى نقل مركز الثروة من دائرة نفوذ إلى دائرة جديدة؛ بل إلى قواعد تمنع احتكار القرار الاقتصادي وتضمن أن تتحول الأصول العامة إلى منفعة عامة. ويبقى السؤال الحاسم: من يراقب من يدير الثروة، وكيف يستطيع السوريون معرفة أين تذهب عائداتها؟


