الملخص
تعتبر هيئة الحشد الشعبي العراقي من جوانب عدة، نتاجاً قيماً للآليات الوطنية والطقوسية والسياسية التي استطاعت أن تخرج العراق من أكبر أزمة شهدها في العشرين سنة الأخيرة. ولكن هذا ليس الجانب الوحيد لتقييم الحشد الشعبي، بل يمكن النظر إليه من منظور آخر.
منظمة الحشد الشعبي العراقي
تعود تشكيل هيئة الحشد الشعبي في العراق إلى عام 2014 م، عندما أفتى المرجع الديني السيد علي السيستاني (دام ظله) في النجف بتشكيل مجموعات شعبية لمواجهة خطر تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي تمكن من التسلل إلى المدن العراقية والسيطرة على ثلث أراضي العراق، وكان قد اقترب من العاصمة بغداد. وقد تم الاعتراف بهذه المنظمة رسميًا في 26 نوفمبر 2016 بأغلبية أصوات مجلس النواب العراقي ككيان عسكري منفصل عن الجيش العراقي.
وفقًا للإعلان الرسمي لهذه المنظمة، قدمت قوات الحشد الشعبي في معركتها ضد داعش أكثر من 10 آلاف شهيد و31 ألف جريح. بعد بغداد، التي سجلت 2679 شهيدًا، كانت محافظة البصرة قد قدمت 1346 شهيدًا، مما يجعلها من بين أكبر عدد من الشهداء في إطار التصدي لموجة الإرهاب في العراق.
من خلال هذا النص المختصر، يُظهر بوضوح مقدار قيمة هيئة الحشد الشعبي. السؤال الذي يُطرح دائمًا على معارضي الحشد الشعبي هو: كم عدد الشهداء الذين قدمتهم هذه المنظمة للعراق، و کم عدد شهداء الذين تم تقديمهم من جانب الأحزاب المعارضة للحشد الشعبي؟ ومع ذلك، فإن الرؤية التي يسعى هذا المقال إلى تقديمها لا تدور حول هذا المحور.
ما هي الرؤية الخاصة في ذلك التقييم؟
يجب الإشادة بمنظمة الحشد الشعبي من منظور خاص ومهم؛ أنه: رغم الحاجة الكبيرة إلى القوة العسكرية والقتالية، سعت هذه المنظمة دائمًا لأن تكون عراقية بشكل مطلق. من ناحية، لم تأخذ تحت إشرافها أي مجموعة غير عراقية، ومن ناحية أخرى، لم تقتصر قواتها على المجموعات الشيعية و حسب.
على الرغم من أن هذه المنظمة، وفقًا للأخبار الرسمية وغير الرسمية، لها علاقة وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، إلا أنها سعت في سلوكها دائمًا إلى تقديم نفسها كـ “منظمة عراقية” وعدم الخروج عن إطار “العراق السياسي”.
يجب أن نأخذ في الاعتبار أن هذه المنظمة، بحسب تصريحات فالح الفياض، تضم أكثر من 200,000 عضو، من بينهم 170,000 لا يزالون أعضاءً نشطين في هذه المنظمة. بينما يعتقد المنتقدون لهذه المنظمة أن العدد الفعلي لأعضاء الحشد الشعبي أقل من 50,000 شخص، وبالتالي لديهم انتقادات بشأن المبالغ التي تتلقاها المنظمة من الدولة. و بدون النظر إلی الإحصاء الصحيح، فإن هناك أصلًا واحدًا يبقى ثابتًا، وهو أن: منظمة الحشد الشعبي تُعتبر مجموعة من جميع العراقيين ولجميع العراقيين.
الدستور العراقي
في الدستور العراقي 2005، تم التصريح على أن جميع القوات المسلحة في العراق يجب أن تتكون من أبناء الشعب العراقي وتكون تحت إشراف “العراق السياسي”.
« تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي »
وأكد أنه يجب أن تكون المهمة الأساسية لجميع القوات المسلحة في العراق هي الدفاع عن الحدود السياسية للعراق:
«تخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولاتكون اداة لقمع الشعب العراقي ولاتتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة .»
مثل هذا القانون موجود وشائع أيضًا في دول أخرى. كما أن المادة 145 و146 من دستور نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنص على ما يلي:
“لا يُقبل أي فرد أجنبي كعضو في الجيش وقوات الشرطة في البلاد. المادة 145؛ يُمنع إقامة أي قاعدة عسكرية أجنبية في البلاد حتى لو كانت تحت مسمى الاستخدامات السلمية. المادة 146”.
لقد حاولت منظمة الحشد الشعبي دائمًا السير وفقًا للدستور العراقي. هذه المنظمة لم تسمح للأشخاص المهتمين بأفكارها أو بأسلوب إدارتها من دول أخرى مثل الكويت وقطر وإيران وسوريا وأفغانستان بأن يصبحوا أعضاء فيها، وعلى أساس الرؤية “السياسية العراقية”، كل 57 لواءً من هذه المنظمة هو بالكامل “عراقي”.
نظرة على الأقليات العرقية والدينية في منظمة الحشد الشعبي
ينبغي أن نلاحظ أن هذه المنظمة تشمل جميع فئات المجتمع العراقي. وفقاً للإحصاءات الرسمية لبعض وكالات الأنباء، يبلغ عدد المجاهدين من السُنة في الحشد الشعبي أكثر من 20,000 شخص.
حركة “بابليون” (اللواء 50) هي واحدة من الألوية العملياتية في الحشد الشعبي، وتتكون بالكامل من المسيحيين من الكلدانيين العراقيين، ويتولى قيادتها ريان الكلداني، ونشاطهم في محافظة نينوى.
أما “قوات سهل نينوى” (اللواء 30)، فهي أيضاً تابعة لتنظيم الحشد الشعبي وتتكون بالكامل من الشبك، ويقودهم أبو كوثر الشبكي (زين العابدين جمیل)، و لهم نشاط في الموصل.
توجد 13 لواء في الحشد الشعبي تُعرف باسم “الحشد العشائري“، وتحت إشراف منظمة الحشد الشعبي، ويكون جميع أعضائها وقادتها من السُنة في العراق. يتكون هذا العدد من 21 فوج وتعمل في شمال غرب العراق.
اللواء 36 المعروف بقوات لالش، يتكون بالكامل من الإيزيديين في العراق، ويعمل تحت قيادة منظمة الحشد الشعبي.
من المهم أن نعرف أن منظمة الحشد الشعبي أيضاً تستوعب البعثيين الذين تابوا، على سبيل المثال، اللواء الكبير 201 المعروف بـ “حرس نينوى” تحت قيادة أثيل النجيفي، وهي واحدة من المجموعات الكبيرة التابعة للحشد الشعبي، حيث يتكون الجزء الرئيسي من قيادتها وجوهرها و أعضائها من البعثيين السابقين الذين انفصلوا عن صدام وحزب البعث الإشتراکي، وقد حققوا نجاحاً في معركتهم ضد داعش، ولعبوا دوراً في تحرير منطقة الشرقاط في محافظة صلاح الدين. وقد استقبلت منظمة الحشد الشعبي أثيل النجيفي كرئيس لحرس نينوى على الرغم من كونه واحداً من المتهمين الرئيسيين في قضية سقوط الموصل، حيث سقطت المدينة خلال فترة ولايته كمحافظ لمحافظة نينوى (الموصل)، وتعدّ ثاني أكبر مدينة في العراق.
النتيجة
كلما كانت منظمة الحشد الشعبي منفتحة على مختلف الأعراق والأحزاب والديانات في العراق، فإنها من جهة أخرى ترد بوضوح على أي دخول لغير العراقيين إلى صفوفها. فمن هذه الزاوية، تُعتبر منظمة الحشد الشعبي منظمة عسكرية وفية للعراق.


