موعد (صفر حرق للغاز) ينتقل إلى 2029… والقرى المجاورة للحقول تتنفّس الفارق

موعد (صفر حرق للغاز) ينتقل إلى 2029… والقرى المجاورة للحقول تتنفّس الفارق
تأجيل إنهاء حرق الغاز في العراق إلى عام 2029 يفاقم الأعباء البيئية والصحية على المجتمعات المجاورة للحقول النفطية، ويستدعي سياسات عاجلة للعدالة البيئية، تشمل مراقبة جودة الهواء، وحماية المناطق السكنية، وجدولة إطفاء المشاعل بشفافية ومساءلة مؤسسية....

شعلة لا تنام

في أطراف البصرة لا يحتاج الناس إلى تقارير البنك الدولي ليعرفوا أن الغاز يُحرق. يرون الشعلة من نوافذهم ليلاً ونهاراً، ويشمّون أثرها حين تتبدّل الريح، ويعدّون السنين وهم ينتظرون أن تنطفئ.

السؤال عندهم لم يعد: هل ستنطفئ؟ بل: متى؟ وهذا الموعد تأجّل للتوّ مرة أخرى، لا في المؤتمرات الدولية، بل في بيان قصير لا يكاد يلفت الانتباه.

الخبر باختصار

في العاشر من تشرين الأول 2026 أوضحت وزارة النفط أن الموعد النهائي لبلوغ «صفر حرق» في عموم حقول العراق هو نهاية 2029، ونفت ما تداولته تقارير عن عام 2027. وبيّن المتحدث باسم الوزارة أن موعد 2027 يخصّ حقول شركة نفط الشمال وحدها.

وقبل ذلك بخمسة أيام عرض المتحدث نفسه ستة مشاريع غاز تراهن عليها الوزارة، أكبرها مجمع أرطاوي في البصرة بطاقة 600 مليون قدم مكعب قياسي يومياً على مرحلتين، لا تكتمل الثانية قبل 2028–2029.

وفي اليوم ذاته الذي صدر فيه التوضيح، أطلقت الحكومة مساهمتها المحدّثة في اتفاق باريس، وفيها التزام غير مشروط بخفض الانبعاثات بما يصل إلى 5% فقط عن المسار المعتاد بحلول 2035.

الشعلة قضية مكانية لا نفطية فقط

اعتدنا مناقشة حرق الغاز بلغة الاقتصاد: مليارات تحترق في الهواء، وغاز نستورده بينما نهدر غازنا. وهذا صحيح؛ فالبنك الدولي قدّر قيمة الغاز المحروق عالمياً في 2025 بنحو 54 مليار دولار، وأحرقت ثلاث دول هي روسيا وإيران والعراق قرابة نصف هذا الحجم.

لكن المخطِّط الحضري يرى في الشعلة شيئاً آخر: خريطة غير عادلة. فبحسب تحليل لمركز رووداو للدراسات، كانت البصرة وحدها مصدر نحو 9.9 مليار متر مكعب من أصل 18 ملياراً أُحرقت في العراق عام 2023، أي أكثر من نصف المجموع، تليها ميسان بنحو 2.9 مليار.

هنا يظهر مفهوم العدالة البيئية: أن تُوزَّع المنافع والأضرار بإنصاف على المكان. عائدات النفط تتوزع على البلاد كلها عبر الموازنة، أما الدخان فيبقى حيث يُنتَج. ووزارة البيئة نفسها تربط الحرق بأمراض الجهاز التنفسي والربو والأمراض الجلدية والسرطان، والذين يتنفسون هذا الهواء هم سكان قرى وأقضية لم تكن يوماً في صدارة أولويات الخدمات.

سنوات انتظار

لا أقلّل من صعوبة المهمة. فجمع الغاز المصاحب ومعالجته يحتاجان إلى منشآت وأنابيب واستثمارات ضخمة، ومشروع غاز الناصرية والغراف بلغت نسبة إنجازه نحو 78% في أيلول الماضي، وهذا تقدم حقيقي يُحسب.

المشكلة ليست في أن المشاريع تحتاج وقتاً، بل في أن الفترة الانتقالية بلا سياسة. فسنتان إضافيتان تعنيان سنتين أخريين من التعرّض اليومي، ولا خطة معلنة تحمي من يعيشون قرب الحقول خلالها: لا شبكة رصد لجودة الهواء تنشر بياناتها، ولا أولوية واضحة لإطفاء الشعلات الأقرب إلى السكن، ولا نطاقات حماية في التصاميم الأساسية تمنع زحف البيوت نحو الحقول.

وثمة مفارقة أخرى. فالمساهمة المناخية المحدّثة تجعل النفط والغاز من قطاعات الخفض الرئيسة، لكن طموحها غير المشروط متواضع: 3% بحلول 2030 و5% بحلول 2035، أما الـ17% الإضافية فمعلّقة على تمويل دولي. وإطفاء الشعلات أسرع طريق لرفع هذه الأرقام، لأنه يخفض الانبعاثات ويوفّر وقوداً لمحطات الكهرباء في آن واحد.

والأخطر أن مواعيد وزارة النفط قد تفقد معناها حين تتحرك. «نهاية 2027» ثم «نهاية 2029» أرقام لا يستطيع المواطن ولا البرلمان محاسبتها، لأنها لا تقول أيّ شعلة ستنطفئ، وأين، ومتى.

الدرس النرويجي: القاعدة قبل الحقل

النرويج حسمت المسألة مبكراً. فمنذ عام 1971 حظرت الحرق في جرفها القاري إلا لأغراض السلامة، واشترطت أن تقدّم الشركة خطة لاستغلال الغاز قبل الموافقة على خطة تطوير الحقل نفسه. ثم فرضت عام 1991 ضريبة على كل متر مكعب يُحرق أو يُطلق في الهواء.

النتيجة أن الحرق الروتيني اختفى تقريباً، وصار الغاز يُعاد حقنه أو يُصدَّر. والفكرة الجوهرية هنا تخطيطية بامتياز: لا يُسمح باستخدام الأرض أو المورد قبل أن تُحسم آثاره. أما نحن فسلكنا الطريق المعاكس؛ طوّرنا الحقول أولاً، ثم بدأنا نبحث عمّا نفعله بالغاز.

ما العمل؟

إطفاء الشعلة مشروع هندسي، لكن حماية الناس حتى تنطفئ قرار تخطيطي لا يحتاج إلى مجمّعات غاز ولا إلى عقود بالمليارات. يحتاج فقط إلى أن نرى على الخريطة من يدفع الثمن.

فالموعد الذي يتأجّل في بغداد بقرار، يُدفع ثمنه في البصرة.

أولاً — وزارة النفط: استبدال الموعد الوطني العام بجدول علني حقلاً بحقل، يتضمن أحجام الحرق الشهرية وتاريخ إطفاء كل شعلة، مع تقرير تقدّم كل ثلاثة أشهر. ما يُقاس ويُنشر يمكن متابعته.

ثانياً — وزارتا البيئة والصحة مع حكومتي البصرة وميسان: نصب محطات دائمة لرصد جودة الهواء في التجمعات السكنية المحيطة بالحقول، ونشر بياناتها للجمهور، واستعمالها لترتيب أولويات الإطفاء بحيث تبدأ بالشعلات الأقرب إلى البيوت.

ثالثاً — وزارة الإعمار والإسكان وهيئات التخطيط في المحافظات النفطية: إدراج نطاقات حماية حول الحقول ومنشآت الحرق في التصاميم الأساسية، ومنع أي توسع سكني جديد داخلها، وتوجيه جزء محدد من تخصيصات تنمية الأقاليم إلى الخدمات الصحية في الأقضية الملاصقة للحقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *