أقسمتم للعراق .. فكونوا وزراء للعراق لا لأحزابكم التي رشحتكم ..

أقسمتم للعراق .. فكونوا وزراء للعراق لا لأحزابكم التي رشحتكم ..
يشيد النص بمبادرة رئيس الوزراء إلى أداء قسم الشرف والنزاهة، ويدعو الوزراء إلى تقديم المصلحة الوطنية على الولاءات الحزبية، ومكافحة الفساد والمحاصصة، وحماية المال العام، وربط المسؤولية الوزارية بخطط واضحة ونتائج قابلة للقياس...

في خطوة تحمل دلالات وطنية وأخلاقية مهمة ، طلب رئيس مجلس الوزراء من أعضاء حكومته ، قبيل بدء جلسة مجلس الوزراء يوم أمس ، الوقوف لترديد قسم الشرف والنزاهة ، بعد اكتمال تشكيل الحكومة ، متضمنًا الالتزام بخدمة العراق وشعبه ، والتحرر من الولاءات الحزبية الضيقة ، والتحلي بالنزاهة ، ورفض الرشوة والهدايا العينية ، والعمل بإخلاص وأمانة من أجل المصلحة العامة .. وهي خطوة تستحق الإشادة والتقدير ، لأنها تضع المسؤولية الوطنية والأخلاقية في صدارة واجبات من يتولى إدارة شؤون الدولة ، وتذكّر الجميع بأن المنصب الوزاري تكليف لخدمة الشعب ، وليس امتيازًا تمنحه الأحزاب لمن تختاره لتمثيل مصالحها داخل الحكومة ..

إنّ أهمية هذه الخطوة لا تكمن في ترديد القسم وحده ، بل في الرسالة التي يحملها ، وفي المعنى الذي ينبغي أن يترسخ في عمل الحكومة ، العراق أولًا ، والعراق أخيرًا ، ولا ولاء يعلو على الولاء للوطن وشعبه .. فالوزير الذي يتولى إدارة إحدى مؤسسات الدولة لا يمثل الحزب الذي رشّحه ، ولا الكتلة التي دعمته ، ولا المصالح السياسية التي أوصلته إلى منصبه ، بل يتحمل مسؤولية إدارة مؤسسة عامة ، وصيانة المال العام ، وتقديم الخدمات للمواطنين ، والعمل على تحقيق مصالح العراقيين جميعًا ، من دون تمييز أو محاباة ..

لقد عانى العراق طويلًا من آثار المحاصصة الحزبية ، حين تحولت بعض الوزارات إلى ساحات نفوذ سياسي ، وأصبحت مواقع الدولة ومقدراتها عرضة للتجاذبات والمساومات ، بدل أن تكون أدوات لخدمة المواطنين وتحقيق التنمية .. ومن هنا فإنّ دعوة الوزراء إلى تجاوز ولاءاتهم الحزبية في ممارسة مسؤولياتهم التنفيذية ليست مطلبًا شكليًا ، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المسؤولية الوزارية ، ومقتضيات بناء دولة المؤسسات والقانون ..

دولة الرئيس .. إنّ قسم الشرف والنزاهة الذي أدّيته حكومتكم يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين المسؤول والمنصب ، وبين السلطة والشعب .. فالعراقيون ينتظرون منكم حكومة تعمل ، ودولة تحمي حقوقهم ، وتصون كرامتهم ، وتوفر لهم الأمن والاستقرار وفرص العمل والخدمات الأساسية ، وتضع حدًا للهدر والفساد وسوء الإدارة .. والإشادة بهذه الخطوة تكتمل حين تتحول مبادئها إلى قواعد ثابتة في إدارة الدولة ، ومعايير واضحة في تقييم أداء الوزراء ومحاسبتهم ..

ونقول للسادة الوزراء .. لقد أقسمتم للعراق ، فلا تجعلوا أحزابكم مرجعيتكم في إدارة الوزارات ، ولا تسمحوا للمصالح السياسية بأن تتقدم على المصلحة الوطنية .. تحرروا من ضغوط الولاءات الضيقة ، واجعلوا انتماءكم الأول والأخير للعراق ، واعملوا بوصفكم فريقًا حكوميًا واحدًا ، لا ممثلين لقوى سياسية تتنافس على النفوذ والمغانم .. فالوزارة ليست ملكًا للحزب الذي رشّح الوزير ، والمال العام ليس موردًا لتمويل المصالح السياسية ، والوظيفة الحكومية ليست مكافأة للأتباع والمقرّبين ، إنها مسؤولية وطنية ينبغي أن تُدار على أساس الكفاءة والنزاهة والاستحقاق ..

كما أنّ النزاهة التي تعهدتم بها لا تكتمل بمجرد رفض الرشوة والهدايا العينية ، على أهمية ذلك ، بل تشمل الامتناع عن استغلال المنصب لتحقيق المنافع الشخصية أو الحزبية ، ومنع تضارب المصالح ، وصيانة المال العام من الهدر والعبث ، ومواجهة الفساد مهما كانت الجهة التي تقف وراءه .. فالمسؤول النزيه لا يكتفي بأن تكون يداه نظيفتين ، بل يتحمل مسؤوليته في حماية مؤسسات الدولة من الفساد ، ولا يسمح بأن تتحول سلطته إلى غطاء للمفسدين أو وسيلة لحماية المتجاوزين على المال العام ..

أيها الوزراء .. إنّ أمامكم مهمة وطنية ثقيلة ، تتجاوز إدارة الشؤون اليومية لوزاراتكم .. فالعراق يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة ، ويحتاج إلى حكومة تمتلك الإرادة والقدرة على معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية ، وتنويع مصادر الدخل ، وتحريك القطاعات الإنتاجية ، وتوفير فرص العمل ، وتحسين الكهرباء والخدمات والصحة والتعليم ، وحماية الفئات الفقيرة والمحدودة الدخل ، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ..

ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف ما لم تتحول الوزارات إلى مؤسسات تعمل وفق خطط واضحة ، وأهداف قابلة للقياس ، وجداول زمنية محددة ، وما لم يُربط تقييم أداء الوزراء بما يحققونه من نتائج فعلية ، لا بما يقدمونه من تبريرات .. فالعراقي الذي ينتظر فرصة عمل ، أو خدمة صحية لائقة ، أو مدرسة صالحة لأبنائه ، أو كهرباء مستقرة ، لا تعنيه الانتماءات الحزبية للوزير بقدر ما تعنيه قدرته على حل مشكلاته وتحسين حياته ..

ختامًا .. إنّ قسم الشرف والنزاهة ليس احتفالًا عابرًا ، ولا مشهدًا بروتوكوليًا ينتهي بانتهاء جلسة مجلس الوزراء ، إنه عهد أمام العراق وشعبه ، والتزام أخلاقي ووطني ينبغي أن يرافق الوزراء في كل قرار وتوقيع وموقف ..

فإما أن يكون العراق فوق الأحزاب والمصالح والامتيازات ، وإما أن تبقى الدولة أسيرة المحاصصة التي عطّلت إمكاناتها وأهدرت فرصها .. وعلى الوزراء أن يختاروا بوضوح أيّ طريق يريدون ، طريق خدمة الوطن وبناء الدولة ، أم طريق الولاءات التي أرهقت العراق وأثقلت كاهل شعبه ..

لقد أقسمتم، أيها الوزراء ، والعراقيون ينتظرون الوفاء بالقسم .. فاجعلوا العراق حزبكم ، وشعبه مرجعيتكم ، والنزاهة نهجكم ، والعمل المخلص طريقكم ، فالوطن أكبر من الأحزاب ، وحقوق العراقيين أقدس من المصالح السياسية ، والتاريخ لا يحفظ للمسؤولين ما أقسموا عليه ، بل ما أنجزوه وفاءً لقسمهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *