خصوصية المفردةالقرآنية-90 المتن: [عمى الأبصار و عمى القلوب(2_2) المقال الثاني من مقالين]في الحلقة السابقة، توقّفنا عند قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] وبيّنّا أن القرآن لا ينفي العمى الحسي، وإنما يكشف عن نوع آخر من العمى، يتعلق بالقلب حين يفقد قدرته على إدراك الحق والاعتبار بآيات الله. ومن هنا يبرز سؤال الحلقة الثانية من بحثنا: إذا كان هناك عمى في القلب، فما الذي يقابله؟ وما البصيرة التي يطلبها الإنسان؟ وهل البصيرة مجرد ذكاء وفطنة وسرعة بديهة؟ أم أن القرآن يمنح هذه الكلمة معنى أعمق وأدق؟ والجواب عن ذلك يقودنا إلى واحدة من أجمل الخصائص الدلالية في التعبير القرآني.
البصيرة ليست مجرد ذكاء تستعمل كلمة «البصيرة» في كلام الناس بمعانٍ متعددة؛ فقد يوصف الإنسان بأنه بصير بالأمور، أي خبير بها، نافذ الفهم فيها، سريع الإدراك، حسن التمييز.وهذه معانٍ صحيحة في أصل الاستعمال اللغوي. لكن البصيرة في القرآن أوسع من مجرد الذكاء، وأعمق من مجرد الفطنة؛ فقد يكون الإنسان شديد الذكاء، واسع المعرفة، قوي الذاكرة، دقيق التحليل، ومع ذلك لا يكون بصيرًا بالحق. وقد يمتلك القدرة على اكتشاف الوسائل، لكنه لا يعرف الغاية. وقد يعرف كيف يحقق ما يريد، لكنه لا يعرف هل ما يريده حق أم باطل.
إذن فالمشكلة ليست دائمًا في قوة العقل، وإنما في وجهة الإدراك ومآله. والبصيرة القرآنية هي إدراك يهدي إلى الحق، ويكشف للإنسان طريقه، ويجعله قادرًا على التمييز بين الهدى والضلال، ثم يحمله على اتخاذ الموقف الذي يقتضيه هذا الإدراك. ولهذا جاء القرآن بلفظ بالغ الدلالة: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] فتأمل: بصائر ← أبصر ← عمي. إنها شبكة لفظية متكاملة. فالبصائر تأتي من الله، ومن يتعامل معها بالإبصار ينتفع بها، ومن يعرض عنها يقع في العمى. لماذا قال القرآن «بصائر»؟ لماذا لم يقل القرآن مثلًا: (قد جاءتكم علوم من ربكم)، أو «آيات»، أو «حجج» فقط؟ لقد استخدم لفظ «بصائر»، وهي جمع «بصيرة».
والبصيرة مرتبطة في أصلها بالإبصار؛ أي أن وظيفتها أن تجعل الإنسان يرى ما لا يكفي فيه النظر الحسي وحده. ولهذا فإن تسمية آيات الله بصائر تحمل معنى بالغ العمق: #الوحي لا يضيف إلى الإنسان معلومات فحسب، وإنما يفتح له نافذة على الحقيقة. #إنه يجعله يبصر حقيقة نفسه، #وحقيقة الدنيا، #وحقيقة الآخرة، #وحقيقة الخير والشر، #وحقيقة الطريق الذي يسلكه. ومن هنا كان القرآن كتاب هداية، لا كتاب معلومات مجردة. البصائر من ربكم قال سبحانه: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} وتأمّل التعبير: «من ربكم». فمصدر البصائر هو الله.وهذه نقطة أساسية في فهم المفردة.
فالبصيرة القرآنية ليست اختراعًا بشريًا، ولا مجرد نتيجة لتراكم التجارب، وإن كانت التجربة والتفكر والنظر وسائل نافعة في تحصيلها. لكن أصل البصيرة التي تهدي إلى الحق مرتبط بالهداية الإلهية. فالإنسان قد يمتلك حواسًا وعقلًا وتجارب، لكنه يحتاج إلى نور يهديه إلى كيفية قراءة ما يرى ويسمع. ولهذا قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقال سبحانه: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] فالنور يكشف، والكتاب يبين، والبصيرة تهدي. «بصيرة»في المفرد وردت كلمة «بصيرة» في القرآن الكريم في موضعين بارزين. الأول قوله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14-15] والثاني: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] والتأمل في الآيتين يكشف لنا أن «البصيرة» ليست معنى واحدًا جامدًا، وإنما يجمعها أصل واحد هو وضوح المعرفة وانكشاف الحقيقة. الإنسان بصيرة على نفسه قال تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}» أي إن الإنسان أعلم بنفسه وأعماله ودوافعه من غيره، ولذلك لا تنفعه المعاذير الكاذبة التي قد يحاول أن يقدمها أمام الآخرين. فهو يعرف حقيقة نفسه. يعرف لماذا فعل. ويعرف ما الذي كان يقصده. ويعرف ما أخفى وما أظهر. إنها بصيرة داخلية تكشف للإنسان نفسه.


