في عام 1986 انفجر المفاعل الرابع في تشيرنوبل، وبعد أسابيع صدر في ألمانيا كتاب لم يكن أحد يتوقع أن يصير مرجعاً. كان عالم الاجتماع أولريش بيك قد كتب (مجتمع المخاطرة)، وفكرته أن المجتمعات القديمة كانت تخاف مما تفعله الطبيعة بها، أما مجتمعنا فيخاف مما يفعله بنفسه. الأخطار الكبرى اليوم صناعة بشرية خالصة، خرجت من المختبر والمصنع والمنجم، ومن الطموح الذي لم يسأل نفسه إلى أين يمضي.
هذه الفكرة تصلح مفتاحاً لقراءة ما ينتظرنا. خذ الذكاء الاصطناعي مثلاً، فنحن نسلّمه شيئاً فشيئاً مهام كنا نظنها حكراً علينا: الكتابة والتشخيص والترجمة واختيار من يُقبل في وظيفة ومن يُرفض. السؤال لم يعد هل ستتغير حياتنا، بل من سيتخذ القرار حين تتصادم الكفاءة مع الضمير. وقد حذّر عالم الفلك البريطاني مارتن ريس، في كتابه (قرننا الأخير)، من أن الحضارة قد لا تنجو من هذا القرن بأمان، لا لأن الكون يتآمر علينا، بل لأن الأدوات التي بين أيدينا صارت أقوى من قدرتنا على ضبطها. وذهب الفيلسوف الأسترالي توبي أورد في كتابه (الحافة) إلى تقدير أن احتمال أن تنكسر البشرية في هذا القرن يقارب واحداً إلى ستة، وهو رقم ينقل أي كارثة من مرتبة الخيال العلمي إلى مرتبة المسائل التي تستحق ميزانية واجتماعاً.
ثم يأتي المناخ، وهو الخطر الذي تجاوز طور التنبؤ. الفصول تتبدل عن مواعيدها، والأنهار تنكمش في مواضع وتفيض في أخرى، والحرارة تكسر أرقامها القياسية عاماً بعد عام. ومع ذلك تبدو الاتفاقات الدولية أحياناً أقرب إلى بيانات النوايا، يوقّعها بعضهم ثم يتراجع عنها بعد حين، وكأن الأرض تنتظر دورها في جدول الأعمال.
وحين نختصر الحياة إلى أصلها، نجد شيئين يقومان عليها: الهواء والماء. كل ما عداهما قابل للتأجيل أو الاستبدال، أما هذان فلا. ونحن في بلداننا نعيش مع الاثنين علاقة مأزومة. الهواء الذي نتنفسه محمّل بالغبار والدخان وعوادم المولدات والمصانع، ونسبة التلوث فيه مرتفعة إلى حد صار الجسد يشهد عليه قبل أن تشهد عليه الأجهزة. نسبة الأوكسجين في الجو تبقى قريبة من ثابتها، لكن الرئتين لا تتنفسان الأوكسجين وحده، بل كل ما يرافقه من جسيمات دقيقة وغازات تثقل الصدر وتقلل كفاءة الجسم في الاستفادة مما يستنشقه. والنتيجة نعرفها جميعاً دون إحصاءات: تعب يلازم الصباح، وإرهاق بلا سبب ظاهر، وخمول في العمل، ونوم يطول ولا يريح. ثم نعزو ذلك إلى الضغوط وقلة الهمة، وربما كان جزء كبير منه رسالة من رئتين تختنقان بصمت.
وفي الماء قصة أخرى. أنهار كانت تُغنّى ذات يوم صارت مصباً لكل ما يُرمى، ومصادرنا في معظمها لا تسلم من التلوث، وحتى قناني الماء التي نشتريها ونحسبها نجاة، تبدأ رحلتها غالباً من المصادر نفسها، ثم تُعالج وتُعبأ، فنشتري الثقة بالبلاستيك أكثر مما نشتري الصفاء. ومن سكن بين نهرين يعرف أن الماء ليس مورداً بل مصير، وأن الجغرافيا تمنح من يملك المنبع نفوذاً لا تمنحه الجيوش، وأن نقصه وتلوثه معاً يضعان الإنسان بين عطش وسمّ.
وتتكرر الصورة نفسها مع الأوبئة. عاش العالم سنوات ثقيلة مع كورونا، ولا يزال الجدل العلمي والسياسي حول أصل الفيروس قائماً بلا حسم نهائي، لكن الدرس لا ينتظر ذلك الحسم: تقنيات تعديل الكائنات الدقيقة باتت أرخص وأسهل مما كانت، وكل خطأ أو سوء نية فيها قد يكلّف قارات كاملة. أما الطاقة فتسير على المنوال نفسه، فكل ما نبنيه من حضارة يقوم على وقود يتناقص، وكل بديل عنه يحتاج إلى معادن ومياه وتقنيات تتنازع عليها الدول من الآن.
ما يزيد الأمر خطورة أن هذه المخاطر لا تأتي متفرقة. الجفاف يولّد هجرة، والهجرة تولّد توتراً، والتوتر يستهلك موارد كان يجب أن تذهب إلى مواجهة الجفاف نفسه. هي حلقة تغذي بعضها بعضاً، وفي مثل هذه الحلقة يصير تنازع الدول على النفوذ ترفاً لا يملكه أحد. وقد رأى الفيلسوف الألماني غونتر أندرس جانباً من المشكلة حين تحدث عمّا سماه (العمى أمام نهاية العالم)، أي أن العقل قادر على صنع ما لا يقدر على تخيّل أثره، فتتسع الهوة بين ما نصنعه وما نستطيع أن نشعر به. نقرأ أرقام الفيضانات والحرائق فلا نرتجف، لأن الخيال أضيق من الحقائق.
أما الفيلسوف الألماني هانز يوناس فرأى المخرج مبكراً. ففي كتابه (مبدأ المسؤولية) الصادر عام 1979 قال إن الأخلاق القديمة كانت تعنى بالجار والقريب واللحظة الحاضرة، أما قوتنا التقنية فتصل آثارها إلى أجيال لم تولد بعد، فيجب أن نوسّع أخلاقنا بقدر ما اتسعت قدرتنا. ووضع قاعدته الشهيرة: تصرّف بحيث تظل نتائج فعلك متوافقة مع بقاء حياة إنسانية حقيقية على الأرض. وأضاف أنه عند الشك ينبغي ترجيح نبوءة الهلاك على نبوءة الخلاص، لأن الخطأ في الأولى يمكن تداركه وفي الثانية لا يمكن.
والمطلوب ليس الذعر، فالذعر عمى من نوع آخر. المطلوب أن نربّي في مدارسنا وجامعاتنا ومراكز قرارنا عقلاً يتدرب على التفكير بما بعد الموسم والميزانية السنوية، عقلاً يسأل قبل كل مشروع: ماذا سيبقى منه لمن يأتي بعدنا؟ فالإنسان عدو ما يجهله، والجهل بالمستقبل أقل كلفة اليوم من أي وقت مضى، لأن العلم يضع بين أيدينا خرائطه. وما ينقصنا هو الاستعداد لقراءتها.
لم يشهد التاريخ مرحلة اجتمعت فيها قوة بهذا الحجم وهشاشة بهذا العمق. ومن ينجو منها لن يكون الأقوى ولا الأغنى، بل الأقدر على أن يتعاون مع غيره قبل أن تجبره الكارثة على ذلك.


