فتاوى بالدولار.. حين يتحوّل الدين إلى سلاح في أيدي الطغاة!

فتاوى بالدولار.. حين يتحوّل الدين إلى سلاح في أيدي الطغاة!
يطرح المقال إشكالية توظيف الفتوى الدينية لخدمة المصالح السياسية، محذّراً من تحويل التكفير إلى وسيلة لإقصاء الخصوم وتبرير الحروب والاستبداد، بدلاً من الاحتكام إلى العدل وصيانة الدماء. كما يؤكد ضرورة استقلال العلماء، ومساءلة المؤسسات الدينية عن مصادر تمويلها ومعايير أحكامها...

موسم المزاد على الفتاوى قد افتُتح، وفتاوى الدم والقتل والتكفير تُعرض في سوق المصالح، وكأن ضمائر الناس تُشترى، وكأن الدين بضاعة في أيدي السماسرة!

المطلوب من علماء السلطان، وفقهاء الدولار، وبعض الدعاة الذين يُتهمون بتوظيف الدين لخدمة الأجهزة والمشاريع السياسية، هو الإكثار من الفتاوى التي تُدين هذا الطرف، وتُكفّر ذاك، وتستبيح دماء المسلمين، وتمنح الحروب غطاءً دينياً. ولكل فتوى، في هذا المزاد، ثمنٌ مفترض: ألف دولار، أو ألفان، أو مئات الآلاف، أو إقامة ذهبية، أو امتيازات ومناصب ووجاهة!

والشرط الأخطر في هذا المزاد هو أن تُوجَّه سهام التكفير إلى المسلمين، وأن تُصاغ الفتاوى ضد اليمن وإيران والمقاومات وكل من يختلف مع الحسابات السياسية لبعض الأنظمة، بينما تُستثنى القوى الأمريكية والصهيونية من النقد الديني نفسه، وكأن دماء المسلمين مباحة، فيما سياسات الاحتلال والعدوان لا تستحق المساءلة!

بل يصل العبث ببعض الخطابات إلى تصوير فلسطين وكأنها ليست قضية الأمة، وإلى مطالبة المسلمين بالطاعة المطلقة، حتى عندما يتعلق الأمر بسياسات تُثير أسئلة كبرى عن العدل والحرية والكرامة وحقوق الشعوب.

أيُّ فقه هذا الذي يتشدّد على المستضعفين، ويصمت عن الأقوياء؟ وأيُّ تدين هذا الذي يرفع سيف التكفير في وجه المسلم، ثم يضعه في غمده أمام الاحتلال والعدوان؟

إن الكارثة ليست في اختلاف العلماء في الاجتهاد، فالاختلاف العلمي سُنّة في تاريخ الفكر الإسلامي، وإنما في تحويل الفتوى إلى أداة سياسية، وتطويع النصوص لتبرير قرارات السلطة، وإضفاء الشرعية الدينية على الحروب والحصار والاستبداد، بدلاً من جعل الدين ميزاناً للعدل ومحاسبة الظالمين.

وحين تصبح الفتوى خاضعة لمصالح الحاكم، وحين يُقاس صدق العالم بمدى رضى السلطة عنه، وحين يُكفَّر الخصوم السياسيون بدلاً من مناقشة أفكارهم وأفعالهم، فإننا لا نكون أمام أزمة فقه فحسب، بل أمام أزمة ضمير وأخلاق واستقلال علمي.

أما أخطر مظاهر هذا الانحراف، فهو أن يُستعمل التكفير لتفتيت المجتمعات الإسلامية، وأن يُدفع المسلم إلى كراهية أخيه، فيما تستفيد القوى الخارجية من الانقسام والاقتتال، وتجد مشاريع الهيمنة بيئةً أكثر ملاءمة كلما ضعفت مناعة المجتمعات وتحوّلت خلافاتها إلى حروب مفتوحة.

إن العالم الذي يخشى غضب السلطان أكثر من خشيته من الله، والداعية الذي يبرّر الظلم لأن مرتكبه حليف سياسي، والمفتي الذي يحرّم على المظلوم الاعتراض ويبحث للظالم عن مخرج شرعي، جميعهم يضعون رسالة الدين أمام امتحان أخلاقي قاسٍ.

وليس كل عالم من علماء السلطة كذلك، ولا يجوز تعميم الاتهامات على أهل العلم؛ لكن من حق الأمة أن تسأل عن استقلال الفتوى، وعن مصادر تمويل المؤسسات الدينية، وعن المعايير التي تُبنى عليها الأحكام، وعن التناقض بين التشدد تجاه الخصوم والصمت تجاه الحلفاء.

لقد جاء الإسلام ليقيم العدل، ويصون الدماء، ويرفع الظلم، لا ليكون مظلةً للاستبداد أو أداةً لتصفية الحسابات السياسية. والفتوى التي تُهدر كرامة الإنسان ودمه بلا حق، أو تُسخَّر لتبرير العدوان، تستحق النقد والمراجعة والمساءلة العلمية والأخلاقية.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء».

طوبى لمن يرفض بيع ضميره، ولمن يقول كلمة الحق ولو خسر الامتيازات، ولمن يرفض تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، ولمن يجعل فلسطين قضية عدل وحرية وكرامة إنسانية، لا ورقةً في سوق المساومات السياسية.

فالدين ليس مزاداً، والفتوى ليست شيكاً مفتوحاً، ودماء المسلمين ليست سلعة، وضمير العالم ليس معروضاً للبيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *