السيادة العراقية وحرمة الدم العراقي

السيادة العراقية وحرمة الدم العراقي
تطرح التطورات الأمنية والإقليمية تساؤلات جوهرية حول السيادة العراقية، وتدعو إلى موقف وطني موحد يرفض تجزئة السيادة، ويصون دماء المواطنين، ويمنع تحويل العراق إلى ساحة لصراعات الآخرين، ويبني العلاقات الخارجية على المصالح والاحترام المتبادل...

ضمن سلسلة الخواطر الاستراتيجية خاطرة رقم (٧ / ٢٠٢٦)

اعتمدنا في سلسلة الخواطر الاستراتيجية منهجيةً تهدف إلى إيضاح أهمية بناء الدولة وفق رؤية مؤسساتية تستمد شرعيتها من الدستور والقانون. وقد بيّنا أهمية المنهاج الوزاري لكل حكومة تشكلت بعد عام ٢٠٠٦، وضرورة تكامل هذه المناهج الوزارية؛ لتنعكس بناءً مؤسساتياً راسخاً للدولة، وسياساتٍ واستراتيجياتٍ ملائمة تحقق أهدافها، ويلمس المواطن نتائجها على أرض الواقع.

لكننا، في هذه الخاطرة، نتوقف عن تلك السلسلة لنعود إلى أهم ثوابت الدولة وعنوان وجودها واستقلالها وكيانها، ألا وهو سيادتها، وقدسية دماء مواطنيها.

تعمل الحكومات والدول في مجالاتٍ كثيرة، وتتبادل المصالح المشتركة مع الآخرين تعزيزاً لمصالحها، وتدخل في تحالفاتٍ ومفاوضاتٍ من أجل سلامتها، والحفاظ على وجودها، واستمرار سيادتها، والدفاع عن مواطنيها.

واليوم يقف العراق أمام موقفٍ بالغ الصعوبة، يضع ألف علامة استفهام، ويفتح باب النقاش لإعادة تعريف مفهوم السيادة، والمصالح الوطنية، وحرمة دماء مواطنيه.

المشهد معقد جداً، والمواطن في حيرةٍ من أمره. يصحو صباحاً ليجد أخبار «صولة الفجر» ضد الفاسدين، فيتفاعل معها ويعيش نشوة فرحٍ طال انتظارها. ثم يرى حكومته الجديدة تتجه إلى الولايات المتحدة، لتعلن عن شراكاتٍ اقتصادية، ومصالح مشتركة، وتؤسس لمرحلةٍ جديدة تحمل للعراق بارقة أملٍ في تجاوز أزماته الاقتصادية والأمنية، فيتفاعل المواطن مع ذلك بقوة.

ثم تتجه الحكومة إلى طهران، بما تمثله من عمقٍ سياسي وملفاتٍ معقدة وظروفٍ صعبة، ويُعلن عن نجاح الزيارة، وتوقيع مذكرات تفاهم، ودعمٍ لحصر السلاح بيد الدولة.

بعدها تتجه بوصلة الحكومة الجديدة إلى أنقرة، الجار الشمالي للعراق، حيث تُوقَّع أيضاً مذكرات تفاهم، وتظهر بوادر دعمٍ نفطي كبير، وإرساء ركائز لتعاونٍ وشراكاتٍ جديدة، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية.

ووسط هذه المساحات الواسعة من التفاؤل، يصحو المواطن العراقي صباح الخميس ليجد أن فجراً جديداً من العدوان قد وقع على العراق، مستهدفاًسبعة  محافظات عراقية، ومقراتٍ رسمية لجهاتٍ أمنية،، ومتسبباً في استشهاد وجرح عددٍ من المواطنين. وخسائر ماديه

وعند متابعة الأخبار، يجد أن العملية العسكرية وُصفت بأنها عملٌ عسكري مشترك بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ضد العراق، بذريعة اتهاماتٍ تتعلق بانطلاق هجماتٍ بالطائرات المسيّرة من الأراضي العراقية باتجاه أهدافٍ في السعودية ودول الخليج.

وهنا يبرز السؤال:

ماذا تبقى من السيادة العراقية؟

وهل يمكن تجزئتها؟ أم أنها حالة واحدة لا تقبل التقسيم؟

فقصفٌ على إقليم كردستان، وقصفٌ على سبعة محافظات عراقية من الموصل إلى البصرة، وتواجدٌ عسكري تركي داخل الأراضي العراقية، ووجودٌ للتحالف الدولي، ومستشارون أجانب داخل بعض المؤسسات العسكرية، وأجواء عراقية مستباحة، وحدودٌ منتهكة، ونفوذٌ خارجي يُعلن عنه بكل أريحية… كل ذلك يفرض تساؤلاتٍ مشروعة.

ما هو الموقف العراقي الرسمي تجاه هذه الوقائع؟

وهل يوجد انتهاكٌ “حميد” للسيادة وآخر “خبيث”؟ أم أن السيادة الحقيقية لا تتجزأ، وأن الدم العراقي لونه واحد، وقدسيته واحدة؟

من المهم أن تحصل مراجعة شاملة للمواقف، وإعادة تموضعٍ وطني واضح يحفظ السيادة، ويصون الدماء والمقدسات. كما يلزم الجميع ألّا يسهموا في تحويل العراق إلى ساحة صراعٍ تتصارع فيها إرادات الآخرين.

إن القرار العراقي، والموقف الوطني العراقي، هما نقطة الشروع لبناء سيادةٍ كاملة وحقيقية، وصون الدماء والمقدسات، وبناء المصالح المشتركة مع الدول على قاعدة الاحترام المتبادل.

سلاماً… سلاماً… سلاماً يا عراق،

وطن الآباء والأجداد،

ومهد الحضارات،

ومعلم الإنسانية الأول.

أمانةُ التاريخ في أعناقنا، من جيلٍ إلى جيل.

وللحديث بقية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *