من أراد هزيمة أهل الحق، فليغتل الحسين … لو استطاع … بوصلة المواقف …

من أراد هزيمة أهل الحق، فليغتل الحسين ... لو استطاع ... بوصلة المواقف ...
يقدّم النص كربلاء بوصفها منظومة قيم تتجاوز الحدث التاريخي، ويربط استمرار حضور الحسين بمفاهيم الكرامة والعدالة ومقاومة الظلم. ويرى أن محاولات مواجهة هذا الإرث لم تمنع انتقال رمزيته بين الأجيال وتحوله إلى معيار أخلاقي للمواقف...

إن معارك الحق والباطل ليست مجرد مواجهة بين السيوف، بل هي صراع بين المبادئ والمصالح، وبين الضمير والشهوة، وبين الإنسان الحر والإنسان المستعبد. وفي هذا الصراع تبقى الشخصيات الصادقة في سعيها لله أكبر من حدود الزمن، لأنها تتحول إلى فكرة منهج خالد، والإمام الحسين عليه السلام هو أبرز هذه الشخصيات.

لقد انتهت واقعة كربلاء منذ قرون، لكن رسالتها لم تنته، لأن الدم الذي أريق دفاعاً عن الحق لم يكن حدثاً عابراً، بل أصبح منبعاً دائماً للوعي والإرادة. ومنذ ذلك اليوم، صار الحسين عليه السلام رمزاً لكل من يرفض الظلم، ولكل من يؤمن بأن الكرامة لا تُشترى، وأن الحق لا يُقاس بعدد أتباعه، بل بصدق مبادئه.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتوجه سهام الطغاة إلى عاشوراء وكربلاء قبل أن تتوجه إلى أتباعهما. فقد أدركوا أن الأمة التي تستلهم الحسين لا يسهل إخضاعها، وأن الإنسان الذي تربى على دروس كربلاء لا ينحني للطغيان مهما اشتدت المحن.

فجُرِّبت الحراب، ثم جُرِّبت السجون، ثم جُرِّبت حملات التشويه، ثم جُرِّبت وسائل التضليل الإعلامي، وظن أصحابها أنهم قادرون على إطفاء هذا النور. لكن كل محاولة كانت تنتهي إلى نتيجة معاكسة، إذ كانت ذكرى الحسين عليه السلام تزداد حضوراً، وكانت عاشوراء تزداد امتداداً، وكانت كربلاء تتحول في كل عصر إلى مدرسة جديدة تُخرّج أحراراً جدداً.

إن من يريد أن يهزم أهل الحق، فعليه أن يغتال الحسين… لو استطاع. وليس المقصود اغتيال الجسد، فقد وقع ذلك في كربلاء، وإنما اغتيال الفكرة، ومحو القيم، وإطفاء الضمير، وقطع الصلة بين الأجيال وتلك المدرسة التي صنعت معنى التضحية والثبات. وهذا هو المستحيل، لأن الأفكار التي تُكتب بالدم لا تمحوها الأيام، والمبادئ التي تتجذر في الضمير لا تهزمها الجيوش.

ولهذا بقيت عاشوراء مصدر قلق لكل مشروع يقوم على الاستبداد أو الفساد أو تزوير الوعي. فهي لا تمنح الناس مجرد قصة تاريخية، بل تمنحهم معياراً يزنون به المواقف، وميزاناً يفرقون به بين العدل والظلم، وبين الحق والباطل، وبين الحرية والعبودية.

لقد أثبت التاريخ أن الذين حاربوا الحسين انتهوا إلى صفحات النسيان أو اللعنة، بينما بقي الحسين عليه السلام حاضراً في القلوب والعقول، يتجدد حضوره كلما تجددت معركة بين المظلوم والظالم، وكلما حاول الطغيان أن يفرض منطقه بالقوة.

وهكذا ستبقى كربلاء أكبر من أن تُحاصر، وستبقى عاشوراء أعظم من أن تُطفأ، وسيبقى الحسين عليه السلام منارة يستضيء بها أهل الحق في كل زمان، لأن الرسالات التي تُبنى على الصدق لا تموت، والرايات التي ترتفع من أجل العدالة لا تسقط، والضمير الذي أيقظه الحسين لا يمكن اغتياله… ولو اجتمع عليه أهل الأرض جميعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *