باعوا الأرض… والعِرض..

باعوا الأرض... والعِرض..
ينتقد ازدواجية الدولة العراقية في اشتراط النزاهة على المواطن البسيط مقابل منح أراضٍ وعقود ضخمة لمستثمرين مثيرين للجدل، داعياً إلى حماية أملاك الدولة وتطبيق معايير الشفافية على الجميع....

في العراق، إذا أردت أن تصبح موظفًا بسيطًا أو تفتح كشكًا صغيرًا لبيع الشاي، فعليك أن تحمل ملفًا من الأوراق الرسمية، وأن تثبت أنك لم تسرق دجاجة ولم تدخل في مشاجرة ولم تصدر بحقك حتى مخالفة مرورية، ثم تنتظر ختم “عدم المحكومية” وكأنه صك براءة من السماء.

أما إذا كنت مليارديرًا أو صاحب نفوذ أو اسمًا ارتبط بإحدى أشهر القضايا الجنائية في العالم العربي، فالأبواب تُفتح لك بالسجاد الأحمر، وتُمنح لك الأراضي والعقود والامتيازات تحت عنوان الاستثمار والتنمية.

القصة ليست خيالًا سياسيًا ولا سيناريو لفيلم جريمة، بل واحدة من أشهر القضايا التي هزّت الرأي العام العربي.

مطربة لبنانية جميلة اسمها سوزان تميم، ورجل أعمال مصري نافذ اسمه هشام طلعت مصطفى، وضابط شرطة سابق اسمه محسن السكري. انتهت الحكاية داخل فندق في دبي عام 2008 بجريمة قتل مروعة، اعترف منفذها بأنه تلقى مليوني دولار مقابل التنفيذ. صدرت أحكام بالإعدام ثم خُففت لاحقًا، وبعد سنوات خرج رجل الأعمال بعفو رئاسي وعاد إلى عالم المال والاستثمار وكأن شيئًا لم يكن.

اليوم يظهر الاسم نفسه في العراق بوصفه “مستثمرًا استراتيجيًا“، وتحصل مجموعته على آلاف الدونمات في مواقع تعد من الأغلى والأهم قرب مطار بغداد، وسط احتفاء رسمي كبير، وكأن البلاد عجزت عن إيجاد مستثمرين إلا من أصحاب الملفات المثيرة للجدل.

لكن المشكلة ليست في شخص واحد فقط، بل في عقلية كاملة تتعامل مع أراضي الدولة وكأنها غنيمة سياسية أو عقارًا خاصًا قابلًا للتوزيع.

الأرقام الرسمية والبرلمانية تكشف حجم الكارثة.

فقد تحدثت جهات رقابية وبرلمانية عن تجاوزات واستيلاء غير قانوني على أملاك وأراضٍ حكومية تتجاوز قيمتها أربعين تريليون دينار عراقي، مع اختفاء سجلات عقارية رسمية وتورط شبكات منظمة في الاستحواذ على عقارات الدولة منذ عام 2003. كما أعلنت هيئة النزاهة في أكثر من محافظة إحباط محاولات للاستيلاء على مئات العقارات الحكومية بمليارات الدنانير عبر التزوير واستغلال النفوذ.

وفي تقريرها السنوي الأخير، أكدت هيئة النزاهة أنها تعاملت مع أكثر من 31 ألف قضية جنائية مرتبطة بالفساد، وأصدرت آلاف أوامر القبض والاستقدام، وتمكنت من حماية واسترداد ما يزيد على 837 مليار دينار إضافة إلى أكثر من 550 مليون دولار من الأموال العامة.

هذه الأرقام لا تتحدث عن فساد عابر أو أخطاء إدارية، بل عن اقتصاد موازٍ قائم على نهب الدولة قطعةً قطعة، وعقارًا عقارًا، ومشروعًا مشروعًا.

ولهذا يحق للعراقي أن يسأل:

إذا كانت الدولة تطلب من المواطن البسيط شهادة عدم محكومية قبل تعيينه أو منحه إجازة بسيطة، فلماذا لا تُطبق المعايير نفسها على المستثمرين الكبار؟

ولماذا يُحاسب الفقير على ورقة ناقصة بينما تُمنح آلاف الدونمات والعقود الضخمة لأشخاص تحيط بهم علامات استفهام كبيرة؟

وهل أصبح العراق إلى هذا الحد جائعًا للاستثمار حتى يفرش السجاد الأحمر لكل من يحمل حقيبة أموال، بغض النظر عن ماضيه أو صورته أمام الرأي العام؟

الاستثمار الحقيقي ليس أبراجًا إسمنتية ولا مجمعات مغلقة ولا مؤتمرات صحفية براقة.

الاستثمار الحقيقي يبدأ باحترام القانون، وصيانة المال العام، وحماية أراضي الدولة من المزادات السياسية، ومنح الفرص لمن يصنع قيمة اقتصادية حقيقية لا لمن يمتلك علاقات أقوى.

أما المواطن العراقي…

فما زال واقفًا في الطابور نفسه، يحمل أوراقه الرسمية، وينتظر ختم “عدم المحكومية”، بينما تُمنح مفاتيح المدن والأراضي والعقود بالمئات والآلاف لمن لا يُسأل أصلًا عن محكوميته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *