في سياق قراءة التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يبدو من الضروري تجاوز المقاربات التبسيطية التي اختزلت الصراع في ثنائية مذهبية سطحية بين “سنة وشيعة”، لأن هذا الاختزال ذاته يُعد جزءاً من البنية الأيديولوجية التي أُنتجت بعناية داخل المجالين السياسي والإعلامي. فوفقاً لما يطرحه الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير حول “الأجهزة الأيديولوجية للدولة”، فإن المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية لا تعمل بوصفها أدوات معرفية محايدة، بل باعتبارها آليات لإعادة إنتاج الهيمنة وتوجيه الوعي الجمعي بما يخدم مصالح السلطة. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي جرى عبرها تصنيع صورة نمطية سلبية تجاه الشيعة داخل المخيال الإسلامي المعاصر، ليس باعتبارها نتيجة طبيعية لاختلاف فقهي، وإنما باعتبارها نتاجاً تاريخياً لعملية تعبئة أيديولوجية طويلة حولت الخلاف السياسي التاريخي إلى صراع هوياتي مقدس، تُستدعى فيه العاطفة أكثر مما يُستدعى العقل، وتُفعّل فيه البروباغندا أكثر مما يُفعّل فيه التفكير النقدي.
إن أي مقاربة معرفية جادة تقتضي أولاً تحرير العقل من سطوة الخطاب التعبوي، ومن آليات الشحن الطائفي التي توظف المال السياسي والسلطة الدينية في تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيهه. فجوهر الدين الإسلامي، من حيث بنيته العقدية الأساسية، يقوم على الثوابت الجامعة المتمثلة في الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، بينما تظل بقية القضايا خاضعة بطبيعتها للاجتهادات والتأويلات البشرية المتعددة التي أنتجتها الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية المختلفة. ولذلك فإن اختزال المذهب الشيعي في بعض مظاهر الغلو أو الممارسات الهامشية يمثل مقاربة غير علمية، لأن التشيع، بوصفه ظاهرة فقهية وتاريخية معقدة، يرتكز في بنيته المركزية على مركزية آل البيت داخل الوعي الإسلامي، تماماً كما أن كثيراً من الصور الذهنية المتداولة حول موقف الشيعة من الصحابة تُطرح غالباً بطريقة انتقائية تفتقر إلى القراءة التاريخية الموضوعية؛ فالصحابة، في نهاية المطاف، شخصيات تاريخية غير معصومة، وقد شهد التاريخ الإسلامي بينهم صراعات سياسية واقتتالاً موثقاً في المصادر الإسلامية نفسها، بينما تبقى العصمة – في التصور الإسلامي العام – مرتبطة بالرسول صلى الله عليه وسلم وحده.
ومن هنا يبرز سؤال معرفي بالغ الأهمية: لماذا يُقدَّم الشيعة دائماً بوصفهم “الآخر المهدِّد” داخل الجغرافيا الإسلامية، في حين تتعايش المجتمعات ذاتها مع تيارات وطرق دينية أخرى تتضمن أحياناً تصورات غالية أو ممارسات ميتافيزيقية حادة دون أن تواجه المستوى نفسه من الإقصاء؟ ففي موريتانيا، على سبيل المثال، توجد بعض الطرق الصوفية التي يتبنى بعض أتباعها أفكاراً من قبيل رفقة الرسول في اليقظة أو ضمان الجنة، ومع ذلك لا تُواجَه بذات العنف الرمزي والإعلامي الذي يوجَّه إلى الشيعة. وهذا يكشف أن الإشكال الحقيقي ليس إشكالاً لاهوتياً خالصاً، بل إشكال سياسي وجيوسياسي بامتياز، لأن المذهب الشيعي ارتبط في الوعي السياسي الإقليمي بمشاريع المقاومة والتحرر من الهيمنة الغربية، أكثر من ارتباطه بمجرد الاختلاف العقدي.
وإذا انتقلنا إلى مستوى تحليل العلاقات الدولية من خلال “نظرية التبعية” (Dependency Theory)، فإننا نجد أن عدداً من دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية، تشكل ضمن بنية وظيفية مرتبطة تاريخياً بالمراكز الغربية المهيمنة، بدءاً من الامتداد البريطاني في مرحلة التأسيس، وصولاً إلى إعادة التموضع الكامل داخل المجال الاستراتيجي الأمريكي المعاصر. وضمن هذا السياق، تتحول المنطقة إلى فضاء وظيفي لتسريع وتمرير السياسات الغربية في الشرق الأوسط مقابل ضمان الحماية الأمنية واستمرارية الأنظمة السياسية. ومن هنا يمكن فهم كثير من التحولات الدينية والثقافية والإعلامية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، بدءاً من الرعاية الانتقائية لبعض التيارات الدينية، مروراً بالتحولات السريعة في الخطاب السياسي والإعلامي في دول مثل الكويت وقطر، وصولاً إلى تبني الإمارات لمفاهيم مثل “الدين الإبراهيمي”، والذي يُنظر إليه نقدياً باعتباره جزءاً من مشروع لإعادة هندسة المجال الديني بما يخدم إعادة تشكيل المنطقة وفق مقتضيات التطبيع والتحالفات الجيوسياسية الجديدة.
وفي الجهة المقابلة، تقدم إيران نموذجاً مختلفاً للدولة التي استطاعت الدمج بين الهوية المذهبية والسيادة السياسية ضمن مشروع ذي طابع استقلالي واضح. فمن منظور علم السياسة المقارن، تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مأسسة الشريعة داخل المجال العام والحفاظ على الطابع المحافظ للمجتمع رغم الضغوط الدولية الهائلة، بحيث يلحظ الزائر حضور المنظومة الإسلامية بشكل واضح داخل الفضاء العمومي، سواء من خلال فرض الحشمة والخمار في المؤسسات العامة، أو عبر الرقابة الاجتماعية والأخلاقية، أو من خلال مركزية الشعائر الدينية داخل الحياة
اليومية. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع النموذج الإيراني، فإنه يظل بالنسبة لكثير من أنصاره نموذجاً لدولة تحاول الحفاظ على استقلال قرارها السياسي والثقافي في مواجهة الهيمنة الغربية.
وعليه، فإن القراءة الأكاديمية الرصينة للصراع في الشرق الأوسط تقتضي تجاوز الخطابات الإعلامية الاختزالية التي تقدم المشهد باعتباره نزاعاً مذهبياً تقليدياً، لأن جوهر الصراع أعمق من ذلك بكثير؛ إنه صراع بين مشروع يسعى إلى إنتاج قدر من السيادة والاستقلال الجيوسياسي، ومشروع آخر مندمج ضمن البنية الوظيفية للنظام الدولي الغربي. ولذلك فإن الوعي النقدي الحقيقي لا يُبنى على الانفعال الطائفي ولا على الكراهية المذهبية، بل على فهم آليات إنتاج الأيديولوجيا، وطبيعة الهيمنة، وبنية المصالح الدولية التي تعيد تشكيل منطقة باستمرار تحت شعارات دينية وإعلامية متعددة.


