بين يدينا تجربة صقلتها النوائب والمصائب والمحن والحصار الخانق حتى دفعتها لتعويض ما ينقصها من تنفس مريح إلى بناء مصنع “اوكسجين” يغذي كل أمة الشرفاء والمخلصين..
في تاريخ الأمم، تمر لحظات فارقة تبرز فيها قيادات لا كبقية البشر؛ قيادات يبدو وكأنها خُلقت وصيغت ‘بعناية إلهية’ لمهمة كونية وفلسفة تتجاوز حدود المادة. لقد كان الإمام روح الله الخُميني العزيز، ومن بعده الإمام الخامنائي المفدى، مدرسةً لم تكتفِ بطرح الفكر، بل صنعت “الإنسان الرسالي”. لقد خلقوا قيادات ورموزاً كأنهم وُجدوا ليكونوا أدوات حاسمة في صراع الاستكبار العالمي، مؤمنين بأن أدوات النصر ليست في الترسانات، بل في قلوب أمةٍ جعلت الدنيا آخر همها، وأضحت الآخرة عندها أمنية تُقطف من على نعش الشهادة.
لقد كانت تلك القيادة صادقة، نجيبة، تعرف تكليفها الشرعي بدقة، وسخرّت كل إمكاناتها وقفاً لله تبارك وتعالى. ولكن، هنا يبرز السؤال الموجع: أين نحن اليوم من تلك البوصلة؟ ونحن نعيش اليوم حالة من التيه، لا أقصد بها الناس البسطاء أو المخلصين الشرفاء الذين يكتوون بنار الفقد والثكل واليتم، بل أقصد كل من ظننا بهم خيراً وأوصلناهم إلى سدة القرار رغم ما نمر به من آلام وعوق في جسد أمتنا المقهورة. الصدمة الكبرى تتجلى حين نكتشف أن “المعدن” الذي راهنا عليه لم يكن ذهباً خالصاً كما ادعى أصحابه، بل كان “حديداً صدئاً” سرعان ما انكشف عند أول اختبار للمصالح والكراسي، ليسقط معه “حلم الفقراء والمستضعفين”.
هذه الآفة لم تقتصر على أهل السياسة فحسب، بل امتدت لتشمل رهطاً من مختلف المهن والمتصدين الذين يرفعون شعارات الانتماء لخط الفقيه، بينما سلوكهم العملي لا يرقى لمعرفة بديهيات العمل الإسلامي الشيعي. ( ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ) الكهف ١٠٤ إنهم يعيشون حالة من الانفصام التي يختصرها المثل الشعبي بمرارة: “نزمط چذب ونگول أهلنا”، فالتفاخر بإرث القادة العظام لا يستقيم مع ممارسات تكرس الأنانية والفساد والتشظي والحزبية المقيتة والنشاط من أجل رضا ذا وذاك من دون الله المطلع!
إن الضياع الحتمي والدوران في حلقة مفرغة سيبقى قدراً لنا مالم نخلص لهذه الثورة الخُمينية المباركة بصدق، مالم نتوقف عن التنكر لجوهرها تحت شعارات “شيطان الجغرافيا” والحدود والوطنية الضيقة التي نخرت العقول وأورمت الصدور تجاه “دولة الفقيه”. تلك الدولة التي لم تكن يوماً مجرد كيان سياسي، بل هي حقيقة وردت في روايات المعصومين (عليهم السلام) بصفاتها وشمائلها النورانية.
إن الاستمرار في الانقياد خلف “صغار النفوس” الذين لا يدركون قيمة التضحيات، هو خيانة لدموع الأرامل وأوجاع الجرحى. إن العودة إلى “البوصلة” تقتضي منا شجاعة المكاشفة، والتمييز بين “المنهج الإلهي” الذي لا يأتيه الباطل، وبين “الأدوات البشرية” التي صدئت حين ابتعدت عن جوهر التكليف، وهو إنجاز حلم الفقراء، “الحلم” الذي لا يستعيده إلا من كان معدنه من صنف أولئك الذين صنعهم الخُميني؛ صدقاً، وزهداً، وفناءً في الله.
“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم ..


