تأتي رواية الأصدق لهجة الصادرة عن دار الشويكي للطباعة والنشر ٢٠٢٥.. وهي تعتمد الوثيقة التراثية ، والشخصية التاريخية، المعمدة بالنقاء والزهد ، والمتسربلة بالتضحية بالغالي والنفيس، من أجل إيثار الآخر وجودا ومعنى، حيث شكل هذا المحور روح العقيدة السماء، وجوهر الرسالة المحمدية المعطاء، فكانت الشخصية الجوهر هوية الصحابي جندب وهو الغفاري الذي يتسربل بعتبة الرواية الأصدق لهجة المأخوذة عن حديث نبوي شريف.
مع اطلالة الحكي حاول الكاتب
اعتماد التركيز على تجليات بواطن الشخصية الغفاري ، من زهد وبساطة عيش، وخفة ظل،
وعدم رغبة في التكالب على الدنيا، وهذا ماصادف هوى روحيا وطمأنينة في هوية ووجود الغفاري الباحث عن السكينة، والمتعلق بجواهر الأشياء وبواطنها، لاعتمتها وزيفها المعهود.
تظهير سردي (وخاطبت نفسي يا الله ما ابسط وأفقر عقلك ياابن جنادة، الا تعلم ياجندب ان من وحد الله واقر بوحدانيته والعالم بكل خبايا النفس البشرية، لايمكن أن يستمر على عمل المنكر، ولابد له من توبة ومراجعة للذات) ص٥٥
شخصية الغفاري الصوت البارز في الحكي، الشخصية الإشكالية في تلبسها بالصدق الروحي والعمق العقيدي، والتسلح بنور العقيدة وهديها، لقد اقترب السرد في محاكاة العمق النفسي للشخصية، التي شكلت مرايا عاكسة للواقع الحلم، الذي يقترب من روح العقيدة، ويلامس روح الإيثار والتضحية بالملذات الحسية من أجل إشاعة عدالة اجتماعية تحقق اشتراكية الحلم الإنساني ، في التماهي مع بساطة العيش، والاكتفاء بما هو ضروري، ونبذ التكالب على كنز الذهب والفضة والحرير لما فيها من افساد للنفس واقصاء للآخر،
تظهير سردي ( وما أشد فرحتي يا اخي زمن برؤية رسول الله وهو يدعو لي، ويناولني بيده الشريفة شربة ماء انسابت في داخلي كأنها شراب من الجنة ) ص٧٣
كانت شخصية الغفاري في فضاء عقيدي ملتزم وصارم غير مهادن مع الآخر وحتى مع النفس، فهي شخصية تأثرث في تكوينها الباطني بقربها الوجداني من النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك القرب الروحي من الامام علي عليه السلام، حيث أثرت هاتين الشخصيتين في جوانية نفس الغفاري وروحه الضامئة للنور الرباني ، والباحثة عن سكونها السرمدي، في طمأنينة روحية، لاتتطلع لسلب الآخر، ولاتستمتع
الا بزادها المعرفي وعشقها السماوي ، لقد أظهرت الرواية ان الغفاري يستخدم قمعا نفسيا
صادما مع ذاته ورغباته، ولكنه حالة بناء سلوكي للذات منقطع النظير ، وتربية سلوكية
نفسية تتوهج عبر تجلدات الصبر والمكابدة وطرد الملذات، وهو ماشكل سلوكا يوميا مارسه الغفاري في حياته العملية اليومية في المجتمع الإسلامي ،
حيث تسبب هذا السلوك الإيماني العميق إلى حالة تذمر
من البعض، نتج عنه الاقصاء والحرمان ،
وبهذا المنحى أظهر الكاتب الحريزي ذلك المناخ الروحي المأزوم من واقع الظلم وغياب العدالة في المفاضلة بين البشر في الحقوق وتوزيع العطاء،
جاء البناء الفني للرواية مرتكزا
في لعبة حوارية بين الغفاري وشخصية متخيلة هي شخصية زمن الذي يوحي وعبر عتبة الإسم على زمنية المسار وتاريخية الروح، بين الصحابي الغفاري وشخصية زمن الذي يمثل يوميات السؤال ، و محطات التاريخ في لعبة سردية اعتمدت الإسترجاع الحدثي، وإعادة انتاج المعنى
وكشف آليات الصراع التي ولدت وفجرت طبيعة الأزمات الفارقة في بنية المجتمع الإسلامي، كانت الحواريات المتناسلة بين الشخصيتين محطات فاعلة في تمرحلات العلاقة بين كونية الغفاري الحلمية وكونية الواقع المضادد
والقامع لتطلعات الشخصية الباحثة عن الأمان والسلام ،
كان الحكي أمينا في توظيف المعطى التاريخي وعلامات كشف مسائلة ومحطات مراجعة عن أزمات التصدع والتناحر وتوالد الأزمة وتفجير الصراع ، عبر مرايا المواقف التي تتفجر بالضديات، عبر معالجة سردية تتوخي الحفر بتفعيل الذاكرة والإسترجاع والمونولوج والتكرار لصور الألم بزوايا نظر متعددة، يتجاذبها الغفاري وشخصية زمن المتسائل عن مبررات الخيبة التراجع.
تظهير سردي (ولاحظ زمن ان الغفاري بدأ عليه التوتر وان كلماته تخرج من فمه متسارعة، فطلب منه أن يكف قليلا عن الكلام ويأخذ قسطه من الراحة، غير ان الغفاري طلب من زمن مواصلة طرح الأسئلة، فهي سلوى له من هذه الوحدة الغربة والعزلة ) ص٩٠ وهكذا تجلت الحوارية مع زمن غواية للسارد والمسرود له لما متوفرة هذه الحوارية من استعادة للذات والتاريخ ومسائلة الواقع بحيادية وحكمة لتجاوز المحنة وفهَم آليات تجاوز عقبة النفس التي تعطل طاقة الفرد والمجتمع.
سعى الكاتب الحريزي نحو خلق عوالم حكائية موازية عبر تجليات الحكي وتحقيق غواية السرد ، فهناك سارد الغفاري ومسرود له هو زمن وهو الرمز عن كل التاريخ وأسئلته، وأزماته ومنافيه، تلك
الشخصية التي تصغي بإمعان لسرديات الغفاري المبحر في عوالم غوايته الروحية الحلمية
فالسرد حقق فعل الغاية عبر الإقناع، اقناع زمن بحلمية النور وصدقية المعتقد ، في مواجهة الرغبات والميول الطامحة بالمجد والمتعة الحسية والجسدية والإثراء علي حساب الآخر الجائع ، والمكبل بالبؤس والفقر،
حيث جاءت شخصية الغفاري لتشكل الضد القامع للميول والملذات، حيث قارب الغفاري الفضاء الحكائي القادر على دغدغة مشاعر القاريء حين يواجه زيف الواقع، وايديولوجيا النفاق الاجتماعي القامعة لصوت الحق، كانت تجربة غواية السرد نحو تحويل الواقع اليومي المثخن بالأزمات
والمنفى والسرقات الكارثية والفساد المالي والنهب إلى مادة سردية مضمرة في ثنايا الخطاب الروائي، اي توليد خطاب سردي ناقد وناقم يتفجر بالرفض والسؤال عن دوامة النهب وغياب العدل واشاعة الظلم والفرقة، عبر مقتربات السؤال من الشخصية زمن لاتكتفي بيوميات الغفاري ومعايشاته وأزماته، وإنما تتسربل نحو أوجاعنا وتاريخنا
ويومياتنا المنهوبة بالظلم وتمادي الفساد والمحاصصة، وهذا ما منح غواية السرد انزياحاتها الزمنية العابرة للزمن ودلالاتها المتفجرة في معاودة السؤال ومهارية كشف الزيف، اعتمد الحريزي في لعبته السردية في تجليات غواية السرد عبر سمات راكزة منها
١.تداخل الواقعي بالمتخيل، وتداخل الوثيقة بصنعة الخيال
٢. كسر أساليب السرد عبر شخصية زمن المفترضة، شخصية موازية للتاريخ وعابرة للمحطات، وجالبة للذكرى، ومانحة شرعية أخلاقية للسؤال، وهي أساليب فنية مبتكرة تعتمد مشهدية حوارية سردية ذهنية مفترضة بالقوة السردية ودمج شخصية مفترضة غير معروفة للقاريء من أجل تحقيق درامية الحدث واستعادة التاريخ ومحاكمة الواقع
٣. هيمنة ذكورية في الحكي تبرز طبيعة المجتمع العربي، وسطوة الفحولة في نسج الحدث وصناعة التاريخ
٤. صناعة فضاء حكائي روحي حالم بالجمال والنور والحق في اقصاءاللذائد والرغبات الحسية
عبر الإسترجاع والكشف والقاء الضوء على المحطات الصاخبة


