{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً}
نزلت هذه الآية حين كان المسلمون -بعد هجرتهم إلى المدينة- يبيتون ويصبحون في سلاحهم، فصدقهم الله وعده حين صدقوا في إيمانهم، وآلت خلافة الأرض إليهم.
فالإسلام دين الفطرة، ولكن المسلمين في الأغلب الأعم قعدوا عن تبيين مزاياه وفضائله أمام العالم المتمدن، وإظهار ما جاء به من الصدق، وبيان حقيقة ما قدّمه القرآن من علاج لأزمات الإنسانية، وإيضاح كل ما فيه سعادة الإنسان؛ فقد جاء الإسلام بإعلان توحيد الله، ووحدة الإنسانية، وأن الدين عند الله واحد، والاختلاف مع اليهود والنصارى إنما هو بسبب البغي والعدوان من أهل الكتاب، فجاء محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- يدعو الناس كافة إلى الدخول في دين الله، دين الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّـهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّـهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ}. وجاءت المسيرة القرآنية لتجدد السير على المنهج الصحيح، وتدعو إلى تحرير المسجد الأقصى الشريف.
فالقرآن جاء ليدعو الناس إلى الدين الحق، فشريعة القرآن توافق ما اقتضاه التطور العقلي للإنسان، وهي الشريعة التي تصلح لكل زمان ومكان، فهي الشريعة التي تُقبل عند الله لا غيرها: {وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}. فالخلوص والتعري من الآفات الظاهرة والباطنة لا يتمان دون الصدق في توحيد الله، وإخلاص الضمير له.
وحينما تفرق زعماء المسلمين وساستهم أشتاتاً، واتخذ البعض منهم من دون الله أولياء من اليهود والنصارى؛ ظنوا بأن ما تحت أيديهم من مال وسلطان جاء بسببهم، وكأنهم لم يتدبروا في القرآن قول الرحمن: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. وأن هؤلاء الأولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً مهما ملكوا من تكنولوجيا وطائرات وصواريخ وغير ذلك مما ظنوه مثمراً لهم، فإنه لا يجديهم نفعاً؛ ففي الذكر الحكيم: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّـهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}.
فأعمال الكفرة عما قريب ستُمحى كما أخبر بذلك من جاء بالصدق وصدق به: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ}.
ومع ذلك، فإن المتأمل في تاريخ الحضارات يجد أن القوة العسكرية أو الوفرة المالية لم تكن وحدها ركيزة أساسية لبناء الحضارة الإنسانية واستقامة الحياة. لو كان لدى هؤلاء المستكبرين شيءٌ من الإيمان بالله لأدركوا ذلك، وإنما أمدهم الله بقوة ومال وبنين ليس ليسارع لهم في الخيرات وإنما ابتلاء وفتنة: {أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ}.
فالصدق مع الله، والصدق مع الناس هو الركيزة الأساس التي يقوم عليها مجتمع يتحلى بالفضائل، الذي يُبنى عليها المجتمع الفاضل. فالصدق عنوانٌ لرقي الأمم، وفيه السلامة من الهلكة والعذاب؛ فهو الوقود الذي يحرك عجلة التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو عماد الإدارة والسياسة العامة.
ولهذا جاء القرآن الكريم ليخاطب المؤمنين بقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
الأخذ بالأسباب. القرآن الذي أمر بالصدق هو نفسه الذي قال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}. فإن الصدق مع الله يقتضي الصدق في العمل والإتقان العلمي، وليس فقط الشعارات. حينما غاب الصدق في الكثير من مؤسسات بلدان العالم الإسلامي السياسية والثقافية والاعلامية والتعليمية وفي غالب العلاقات؟ حصل ماحصل من تفكك في العالم الإسلامي؛ فالعدو الخارجي لم ينجح إلا بوجود ثغرات في الداخل سببها غياب “الصدق مع النفس”، في بعض الدول الإسلامية
فبالصدق تعمر الديار، وتصح الأخبار، وتزدهر الحياة، وبه يحصل النصر والتمكين وتحصل النجاة، ويرتفع قدر الإنسان، وبه تتعزز الثقة بين الإخوان، ويثمر التعاون، ويعم الخير، ويكثر النفع، وتتطور البلاد.
إنما الصدق للخيرات بابُ … نقطع الشك به نعلو الخطابا
فاتبعوا من صان عهداً … وسما نفساً وطابا
ليس من حاز قصوراً … أو رقى السحب وحابى
يدرك المجد ويأتيه … ذهاباً وإياباً
إنما المجد لمن كان مع الحق … صادقاً فيه احتساباً
فاسلك الدرب نقياً … واجعل الصدق لبابا
واتخذ من يصدق الناس … في ذرى المجد شهابا
واجتنب صحبة من … يكسب العار أو يهوى الخرابا
فالفتى يبني خلوداً … ويذيق الظلم صابا
لا يمكن للسياسة العامة أن تنجح إذا انفصمت عرى الصدق عمن يقودها، كما هو الحال مع الصهيونية ومن يقودها؛ فالكلمة في المحافل الدولية هي ميثاق غليظ، فبفقد الكلمة الصادقة تفقد الدولة هيبتها.
فالصدق هو جوهر الأمانة التي حملها الإنسان، والعملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها في سوق الأخلاق والمبادئ؛ فحينما يُعلن في أمريكا وإسرائيل احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، ثم يأتون ليقتلوا الشعب الفلسطيني ويحتلوا أرضه، ويحاصروا الجمهورية الإسلامية في إيران، ويمن الإيمان والحكمة، ويستبيحوا أرض لبنان والعراق على مرأى ومسمع من العالم، ومع ذلك يزعمون أنهم يحترمون حقوق الإنسان كذباً، وذلك يدل على هشاشة الديمقراطية وكذب ساستها في أمريكا وأوروبا.
والكذب بطبيعته إنما هو صورة مزيفة للواقع، فالصدق والكذب نقيضان لا يلتقيان، وللقارئ أن يدرك أن أدى “كذب” قوى عظمى تاريخياً إلى انهيارها (مثلما حدث في فيتنام مع أمريكا).
فيا حملة الأقلام ومشاعل الصدق في كل مكان، إن مداواة الجروح العميقة التي أحدثتها السياسة الصهيونية في ترويج الباطل والترويج لشهادة الزور قد تضيع مصالحكم، فمنطق الخداع والمراوغة لا يبني مجداً ولا يصون أرضاً.
ويستحيل على من هذه سيرته أن يفلت من العذاب، مهما اتخذ الساسة الكذب لهم ديدناً.
ويا ساسة الأمة الإسلامية، إن سكوتكم على ما يجري في فلسطين ولبنان والعراق ويمن الإيمان والحكمة والجمهورية الإسلامية في إيران مشاركة في الظلم، فتداركوا ما بقي من أيامكم قبل فوات الأوان: {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.


