لم يعد النفط الخام مجرد سلعة استراتيجة ، وانما اصبح محاطاً بقيود بيئية قد تعيد تشكيل وتنظيم خريطة الاقتصاد العالمي ، في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد منخفض الكربون . ومن أبرز هذه التحولات، إطلاق الاتحاد الأوروبي لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، والتي تهدف إلى فرض تكلفة على الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالسلع المستوردة. وبذلك يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن أن تتحول الوفرة النفطية في العراق إلى مصدر هشاشة اقتصادية في ظل هذه السياسات الجديدة؟
ماهية آلية CBAM واهدافها
تعرف آلية CBAM بانها تعريفة كربونية تفرض على الواردات من جميع دول العالم ،بأستثناء الدول التي ستعتمد على نفس الالية ، مثل المملكة المتحدة . وتعرف كذلك بأنها نظام يهدف إلى ضمان دفع تكلفة الكربون على السلع المستوردة بما يعادل ما يدفعه المنتج الأوروبي، وذلك لتجنب ما يسمى بـ(تسرب الكربون) وحماية الصناعات المحلية.
تشمل الآلية في مرحلتها الأولى قطاعات كثيفة الانبعاثات مثل الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة، مع توجه مستقبلي لتوسيع نطاقها لتشمل قطاعات الطاقة بشكل غير مباشر.
وتُعد هذه السياسة واحدة من أكثر الأدوات المناخية طموحًا عالميًا، إذ لا تقتصر على خفض الانبعاثات داخل أوروبا، بل تسعى لإعادة تشكيل التجارة الدولية نحو اقتصاد منخفض الكربون. ويمثل الشكل التالي الية عمل هذه السياسة .
شكل رقم (١) الية تعديل الكربون

المصدر : ESCWA,2025
التحولات العالمية في الطلب على النفط
تشير بيانات International Energy Agency إلى أن نمو الطلب العالمي على النفط بدأ يتباطأ بشكل ملحوظ، حيث ارتفع الطلب بنسبة 0.8% فقط في 2024 مقارنة بمعدلات أعلى قبل الجائحة، كما انخفضت حصة النفط في مزيج الطاقة إلى أقل من 30% لأول مرة تاريخياً.
ويعود هذا التباطؤ إلى عدة عوامل
- التوسع والانتشارالسريع في استخدام السيارات الكهربائية
- التحول نحو الطاقات النظيفة المتجددة
- السياسات البيئية الصارمة والمجحفة في أوروبا
وهذا يشير إلى تحول هيكلي طويل الأمد، وليس مجرد تقلب دوري في الأسواق.
هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الصدمات الكربونية
تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 90% من الصادرات والإيرادات العامة للاقتصاد العراقي ،اذ يعتمد الأخير بشكل شبه عام على النفط الخام وهذا الاعتماد المفرط يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لأي تغير في الطلب العالمي على النفط الخام ، الأسعار الدولية ، والسياسات البيئية للدول المستوردة.
كما وتشير بيانات 2024 انخفاض في الناتج المحلي بنسبة 2.3% نتيجة تراجع الطلب وأسعار النفط، مما يعكس هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
سيناريوهات CBAM وتأثيرها على الاقتصاد العراقي
السيناريو الأول: التأثير غير المباشر على الطلب
رغم ان الية Carbon Border Adjustment Mechanism لا تستهدف النفط الخام بشكل مباشر، إلا أنها تُحدث تحولات هيكلية عميقة في أنماط الطلب على الطاقة. رغم أن النفط غير مشمول مباشرة في CBAM حالياً، إلا أن الآلية تدفع أوروبا إلى تقليل الاعتماد على الطاقة الأحفورية، مما يقلل الطلب على النفط مستقبلاً. ويعرف هذا التأثير بـ تأثيرات السلسلة غير المباشرة ،حيث تنتقل الصدمة من قطاع الى اخر عبر الروابط الإنتاجية . ومن هذا المنطلق فأن الاقتصاد العراقي يواجه تحديًا استراتيجيًا يتمثل في ضرورة إعادة هيكلة اقتصاده وتقليل اعتماده على النفط، بما يضمن استدامة موارده المالية في ظل عالم يتجه بثبات نحو تقليل الكربون.
السيناريو الثاني : ضغط على الأسعار العالمية
مع توسع وانتشار سياسات الكربون عالميًا، سيصبح الكربون (تكلفة مضافة ) مباشرة تجعل منتجات الطاقة ذات الانبعاثات العالية اغلى ثمناً واقل تنافساً ، وان المنتجات العراقية (مثل الأسمدة، الإسمنت، والحديد – وهي مشمولة في المرحلة الأولى لـ CBAM) ستواجه رسوماً إضافية عند دخول السوق الأوروبية، مما يضطر المصدر العراقي إما لرفع السعر (وفقدان الحصة السوقية) أو تحمل التكلفة (وانخفاض الأرباح).و على الرغم من أن النفط الخام ليس مشمولاً بشكل كامل في المرحلة الأولى ، إلا أن هناك ضغوطاً لشموله لاحقاً. هذا سيؤدي إلى خفض السعر الصافي الذي يتسلمه العراق مقابل برميل النفط، لأن المشترين سيخصمون قيمة ضريبة الكربون المتوقعة من سعر الشراء.وبالتالي قد ينخفض الطلب على النفط، وبدوره يؤدي إلى تراجع الأسعار، وانخفاض الإيرادات النفطية للدول الريعية .
السيناريو الثالث : إعادة هيكلة التجارة العالمية
تشير دراسات International Monetary Fund إلى أن CBAM يمثل صدمة في شروط التبادل التجاري للدول المصدرة للطاقة، وقد تحدث تغيرات في خارطة التجارة العالمية والشركاء التجاريين بناءً على البصمة الكربونية وهذا يؤدي إلى إعادة توجيه التجارة نحو الدول الأقل انبعاثاً. وقد يجد العراق نفسه مضطراً لتوجيه صادراته بعيداً عن أوروبا (التي تفرض CBAM) نحو أسواق أقل تشدداً بيئياً (مثل الصين أو الهند). لكن هذا يخلق “ارتهاناً” لأسواق محددة قد تفرض شروطاً سعرية قاسية لعلمها بضيق خيارات المصدر.
المخاطر الاقتصادية المحتملة
- تراجع الإيرادات النفطية
- زيادة العجز في الموازنة العامة
- ارتفاع معدلات البطالة نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي
- ضعف القدرة على تمويل التنمية
كما أن استمرار ارتفاع الانبعاثات العالمية إلى 53.2 مليار طن مكافئ CO₂ في 2024 يعزز من تسارع السياسات البيئية، ما يزيد الضغط على الاقتصادات النفطية.
الحلول الاستراتيجية التي من الممكن الاخذ بها في العراق
رغم المخاطر، توفر هذه المقترحات فرصًا مهمة، منها:
- استثمار الغاز المصاحب : تقليل استهلاك الكهرباء حرق الغاز يمكن أن يحسن الكفاءة ويقلل الانبعاثات
- التوسع في الطاقة المتجددة : العراق يمتلك إمكانيات كبيرة في الطاقة الشمسية
- تنويع الاقتصاد : التحول نحو قطاعات غير نفطية مثل الصناعة والخدمات
٤. تبني سياسات كربونية تدريجية : للتكيف مع النظام العالمي الجديد
يمكن القول إن CBAM لا يمثل مجرد سياسة بيئية، بل هو أداة لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصاديةالعالمية.فالدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري دون تطوير بدائل، ستواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على استقرارها المالي. أما الدول التي تستبق التحول، فستتمكن من تحويل هذه التحديات إلى فرص للنمو المستدام. وإن مستقبل الاقتصاد العراقي في ظل التحول نحو الاقتصاد الأخضر يعتمد بشكل أساسي على قدرته على التكيف مع المتغيرات العالمية. فبينما تمثل آلية CBAM تهديداً حقيقياً للإيرادات النفطية، فإنها في الوقت ذاته تشكل فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد نحو نموذج أكثر استدامة.وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في السياسات الأوروبية بحد ذاتها، بل في مدى استعداد العراق لمواكبة هذا التحول العالم.


