في خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، لم يعد إعلام ما يُعرف بـ”محور المقاومة” مجرد ناقل للأحداث، بل تحول إلى لاعب مؤثر في إدارة الصراع بوجهه النفسي والمعرفي. هذا الإعلام اشتغل منذ سنوات على كسر احتكار الرواية الذي كانت تفرضه المؤسسات الغربية، مستنداً إلى مقاربة مختلفة تقوم على ما يمكن وصفه بـ”التأثير غير المتناظر”.
سيكولوجية التأثير في الجمهور العربي والإسلامي
تمكن هذا الإعلام من تثبيت حضوره داخل المجتمعات العربية والإسلامية عبر مسارين واضحين:
الأول، استغلال حالة الفراغ القيمي التي ظهرت بعد تراجع الخطابات القومية واليسارية، حيث قدم سردية بديلة تقوم على مفاهيم الهوية والمقاومة، وهي مفاهيم لاقت صدى واسعاً لارتباطها بالوجدان الديني والوطني، خصوصاً في قضايا مثل فلسطين والسيادة.
الثاني، بناء قدر من المصداقية عبر ربط الخطاب الإعلامي بالواقع الميداني. فبدلاً من الاكتفاء بالشعارات، اعتمد هذا الإعلام على ما يمكن تسميته “التحقق العملي”، ما جعله في نظر شريحة واسعة مصدراً يعتمد عليه، حتى لدى بعض المتابعين من خارج بيئته المؤيدة.
الإعلام الإيراني ودوره في توجيه المنظومة الاعلامية لمحور المقاومة
لا يمكن الحديث عن هذا المشهد دون التوقف عند التجربة الإيرانية، التي لعبت دوراً محورياً في بناء البنية الإعلامية للمحور.
فمن جهة، عملت طهران على تطوير إعلام عابر للحدود، من خلال منصات متعددة اللغات، ما أتاح لها مخاطبة جمهور دولي وتقديم روايتها خارج الإطار المحلي.
ومن جهة أخرى، ساهمت في نقل الخبرات التقنية والإعلامية إلى حلفائها في المنطقة، وهو ما أدى إلى نشوء شبكة إعلامية موزعة جغرافياً، لكنها متقاربة في الرؤية والاتجاه.
الإعلام كأداة مواجهة غير تقليدية
في مقابل التفوق الغربي على مستوى الإمكانات، لجأ إعلام المحور إلى أساليب مختلفة أقرب إلى “حرب الاستنزاف الإعلامي”.
إحدى هذه الأدوات تمثلت في تفكيك الخطاب الغربي، عبر تسليط الضوء على التناقضات، خصوصاً في ملفات مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، وتقديمها باعتبارها أدوات انتقائية تخدم المصالح السياسية.
أما الأداة الثانية فكانت الاعتماد على الصورة القادمة من الميدان، حيث لعب توثيق العمليات دوراً مهماً في التأثير على الرأي العام، وإعادة تشكيل صورة الخصم، بعيداً عن الهالة التي أحاطت به لسنوات.
تحولات الثقة وتراجع الرواية الغربية
خلال السنوات الأخيرة، بدأت ثقة قطاعات من الجمهور، العربي وحتى الغربي، تتراجع تجاه وسائل الإعلام التقليدية في الغرب.
أحد أبرز أسباب ذلك هو ما ظهر من انحياز واضح في تغطية بعض الأحداث، مثل حرب غزة، وهو ما دفع كثيرين للبحث عن مصادر بديلة للمعلومة.
إضافة إلى ذلك، فإن اعتراف إعلام المحور بخسائره البشرية وتضحياته، ساهم في تعزيز صورة أكثر واقعية مقارنة بخطابات أخرى تميل إلى التعتيم أو المبالغة.
الإعلام كعنصر فاعل في الصراع
لم يعد الإعلام في هذا السياق مجرد انعكاس لما يجري على الأرض، بل أصبح جزءاً من أدوات إدارة الصراع.
فهو يساهم في ترسيخ معادلات الردع من خلال إبراز القدرات العسكرية، ما يخلق تأثيراً نفسياً يتجاوز ساحة المعركة.
كما يلعب دوراً في توفير غطاء شعبي وأخلاقي، يحدّ من محاولات عزل قوى المقاومة سياسياً أو التأثير على حاضنتها الاجتماعية.
بالنتيجة
يمكن القول إن إعلام محور المقاومة بات يمثل نموذجاً مختلفاً في توظيف القوة الناعمة، خاصة عندما تتقاطع مع الوقائع الميدانية. واستمرارية هذا التأثير ستظل مرتبطة بقدرته على الحفاظ على مصداقيته، ومواكبة التطور التقني، في مواجهة منظومة إعلامية دولية تمتلك خبرة طويلة وأدوات متقدمة.


