مقدمة
لا تُبنى المعادلات الاستراتيجية الكبرى في فراغ، ولا تنشأ محاور التأثير الإقليمي من مجرد خطاب سياسي أو شعارات حماسية. ما يصنع الفارق الحقيقي في تاريخ الشعوب هو الرجال الذين يُحوّلون الرؤية إلى واقع، والفكرة إلى مؤسسة، والمبدأ إلى استراتيجية قابلة للتطبيق والاستدامة. ومحور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، بل كان تجسيدًا صارخًا لها، إذ ارتبط نجاحه وتوسّعه وصموده بأسماء بعينها وشخصيات قيادية استثنائية تركت بصمتها الراسخة في مسار هذا المحور وفي تاريخ المنطقة برمّتها [1].
أولًا: الإمام الخميني، المؤسس الذي رسم الأفق
لا يمكن الحديث عن محور المقاومة دون البدء بالشخصية التي أرست أسسه الفكرية والعقدية، وهي الإمام السيد روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية. فقد أدرك الإمام الخميني منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة عام 1979م أن الجمهورية الوليدة لن تُترك وشأنها، وأن القوى الكبرى لن تقبل بنموذج دولة تُعلن استقلالها عن المنظومة الدولية السائدة وترفع شعار «لا شرقية ولا غربية». من هنا، صاغ الإمام الخميني مبدأ تصدير الثورة لا بمعناه العسكري الضيّق، بل بمعناه الفكري والروحي، أي نشر نموذج الدولة المستقلة القائمة على الإسلام بوصفه منهج حياة وحكم ومقاومة [2]. وقد أرسى الإمام الخميني علاقة الجمهورية مع المقاومة اللبنانية في مراحلها الأولى، وأوفد الحرس الثوري إلى البقاع اللبناني عام 1982م لدعم المقاومة الناشئة، وهو القرار الذي أسّس لاحقًا لما صار يُعرف بحزب الله، أحد أعمدة محور المقاومة الأكثر تأثيرًا وفاعلية [3].
ثانيًا: الإمام الخامنئي، المهندس الاستراتيجي للمحور
إذا كان الإمام الخميني هو المؤسس الذي رسم الأفق، فإن الإمام السيد علي الخامنئي هو المهندس الاستراتيجي الذي بنى الصرح وأدار معركة الصمود على مدى أكثر من ثلاثة عقود. تولّى الإمام الخامنئي القيادة عام 1989م في مرحلة بالغة الحساسية، إذ كانت إيران تخرج لتوّها من حرب استنزاف مدمّرة مع العراق، وكانت الجمهورية في أمسّ الحاجة إلى إعادة بناء شاملة. غير أن الخامنئي لم يختر مسار الانكفاء والانعزال، بل اختار مسار التعمّق الاستراتيجي وتوسيع دوائر النفوذ الإقليمي بصبر وتدرّج محسوب [4]. وقد صاغ الإمام الخامنئي مفهوم اقتصاد المقاومة بوصفه ركيزة لا غنى عنها لاستدامة المحور، مُدركًا أن أي مشروع مقاومة لا يمتلك قاعدة اقتصادية صلبة هو مشروع مكشوف الظهر قابل للانهيار تحت وطأة الحصار. كما أشرف شخصيًا على بناء منظومة الردع الصاروخي الإيرانية وعلى دعم فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، حتى باتت هذه المنظومة تُشكّل معادلة ردع حقيقية تجعل ثمن أي عدوان على إيران أو حلفائها باهظًا لا يُحتمل [5].
ثالثًا: الشهيد قاسم سليماني، العقل الميداني للمحور
لا يمكن كتابة تاريخ محور المقاومة دون إفراد مساحة واسعة للشهيد اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي يُجمع المحللون الاستراتيجيون على أنه كان العقل الميداني والمهندس التنفيذي الأبرز لهذا المحور على مدى عقدين كاملين. تولّى سليماني قيادة فيلق القدس عام 1998م، وحوّله من وحدة عسكرية تقليدية إلى جهاز استخباراتي وعسكري ودبلوماسي متعدد الأبعاد، قادر على العمل في بيئات بالغة التعقيد وفي أكثر من ساحة في آنٍ واحد [6]. كان سليماني الرجل الذي أدار ملف دعم المقاومة اللبنانية في أحلك لحظاتها، وهو الذي أشرف على إعادة بناء الجيش السوري وتنظيم قوات الحشد الشعبي في العراق حين كانت تنظيم داعش يُهدد بابتلاع المنطقة بأسرها. وقد وصفه الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس بأنه «أكثر الشخصيات تأثيرًا في الشرق الأوسط في العقد الأول من الألفية الثالثة»، وهو وصف يكشف حجم الثقل الاستراتيجي الذي كان يمثّله هذا الرجل في معادلات المنطقة [7]. واغتياله في يناير 2020م على يد الولايات المتحدة الأمريكية كان في حدّ ذاته اعترافًا ضمنيًا بمدى خطورته وفاعليته، غير أن المحور الذي بناه أثبت أنه تجاوز شخص قائده وتحوّل إلى منظومة مؤسسية راسخة.
رابعًا: السيد حسن نصر الله، نموذج القيادة الميدانية المُلهِمة
في سياق الحديث عن الشخصيات القيادية التي صنعت نجاح محور المقاومة، يبرز اسم السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني بوصفه نموذجًا فريدًا للقيادة الميدانية التي تجمع بين العمق الفكري والحنكة الاستراتيجية والحضور الجماهيري الطاغي. قاد نصر الله المقاومة اللبنانية في أصعب مراحلها، وكان المهندس الرئيسي لانتصار عام 2000م حين أُجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان دون قيد أو شرط، وهو الانتصار الذي وصفه المحللون بأنه أول هزيمة عسكرية نظامية لإسرائيل في تاريخها [8]. ثم قاد المقاومة في حرب تموز 2006م التي أفشلت الحملة العسكرية الإسرائيلية الشاملة وأثبتت أن منظومة الردع التي بناها المحور قادرة على الصمود في مواجهة أحد أكثر الجيوش تسليحًا في المنطقة. ومن المنظور النفسي، مثّل نصر الله نموذج القائد التحويلي الذي يُحوّل الخوف إلى شجاعة والهزيمة المتوقعة إلى انتصار مُفاجئ، وهو ما يُفسّر الحضور الجماهيري الاستثنائي الذي تجاوز حدود الطائفة والجغرافيا ليشمل شرائح واسعة من الرأي العام العربي [9].
خامسًا: الشهيد إسماعيل هنية ويحيى السنوار، المقاومة الفلسطينية في المحور
لا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى الدور الفلسطيني في منظومة المحور، ولا سيما شخصيتَي الشهيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والشهيد يحيى السنوار القائد الميداني للحركة في غزة. فقد مثّلت حركة حماس الجسر الذي ربط المحور بالقضية المركزية التي يدّعي الجميع الدفاع عنها، وأثبتت أن الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية لم يكن ورقة دعائية بل دعمًا عسكريًا ولوجستيًا حقيقيًا تجلّت نتائجه في معركة طوفان الأقصى في أكتوبر 2023م [10]. وقد دفع هنية والسنوار ثمن هذا الانتماء بأرواحهما، مما يُعزّز مشروعًا متكاملًا يقوم على الاستعداد للتضحية لا على حسابات البقاء الشخصي.
خاتمة: الشخصيات تصنع التاريخ والمؤسسات تُديمه
ما تكشفه قراءة هذه الشخصيات القيادية مجتمعةً هو أن نجاح محور المقاومة لم يكن وليد الصدفة ولا نتاج ظروف موضوعية وحدها، بل كان في جوهره ثمرة إرادات بشرية استثنائية آمنت بمشروعها وأفنت حياتها في خدمته. غير أن الدرس الأعمق الذي تُقدّمه هذه التجربة هو أن القيادات العظيمة لا تبني لنفسها بل تبني للمؤسسة، ولهذا فإن رحيل سليماني ونصر الله وهنية والسنوار لم يُوقف المحور بل كشف عن عمقه المؤسسي وقدرته على التجدد والاستمرار. وهذا بالضبط ما يُميّز المشاريع الحضارية الحقيقية عن مجرد التجمعات السياسية العابرة: أنها تتجاوز أصحابها وتبقى بعدهم.
المصادر والمراجع
[1] وليد شقير، محور المقاومة: المعادلات الجديدة في الشرق الأوسط، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2020م، ص 45-67.
[2] محمد حسنين هيكل، خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السادات، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1983م، ص 201-219.
[3] علي رائد، الحرس الثوري الإيراني: النشأة والدور والتحولات، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2018م، ص 112-130.
[4] ناصر قنديل، جغرافيا النار: المشرق في مرحلة التحولات الكبرى، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2021م، ص 78-94.
[5] علي خامنئي، سياسات الاقتصاد المقاوم: الأسس والتوجيهات، مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، طهران، 2014م، ص 23-41.
[6] أرزو أوسلو، قاسم سليماني: الظل الإيراني في الشرق الأوسط، ترجمة سامر الياس، دار الساقي، بيروت، 2020م، ص 67-89.
[7] كنث بولاك، الإمبراطورية الفارسية: إيران والحرب الباردة الجديدة، ترجمة عمر الأيوبي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014م، ص 178-195.
[8] أوغسطس نورتون، حزب الله: تاريخ، ترجمة حسن فحص، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009م، ص 134-156.
[9] نعوم تشومسكي، الهيمنة أم البقاء: السعي الأمريكي نحو السيطرة على العالم، ترجمة فاضل جتكر، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004م، ص 89-107.
[10] خالد الحروب، حماس: الفكر والممارسة السياسية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2010م، ص 223-241.


