في تشرين الأول من عام 1992، وتحت ظلال جبال “صلاح الدين” في شمال العراق، اجتمع شتات المعارضة العراقية ليرسموا ملامح “العراق الآتي”. كان هؤلاء الرجال، الذين عاشوا مرارة المنفى والتهميش، يحملون حلماً مشروعاً بكسر احتكار السلطة، لكن القلم الذي خطّ اتفاقات تلك الليالي كان يخطّ – دون وعي ربما – الشيفرة الوراثية لأزمة ستعصف بكيان الدولة لعقود. إن التدقيق في أدبيات تلك المرحلة يكشف عن حقيقة صادمة: أن المعارضة العراقية، بمختلف أطيافها، ركزت كل جهدها على “ساعة الصفر” وإزاحة النظام، لكنها غفلت تماماً عن إعداد “مشروع ما بعد السقوط”.
لقد طرحت بعض القوى، ومنها مشروع الراحل أحمد الجلبي، رؤى سياسية واقتصادية كانت تبدو متطورة في حينها، إلا أنها ظلت أسيرة التنظير الفوقي الذي يفتقر إلى “الجذر الثقافي”. وبحسب قراءات نقدية لمسار المعارضة، فإن الإخفاق الأكبر لم يكن في نقص التمويل أو الدعم الدولي، بل في “العقم المعرفي“؛ حيث لم يُطرح مشروع ثقافي يفكك إرث الشمولية ويبني هوية وطنية عابرة للهويات الفرعية. يحلل الباحث “توبي دودج” هذه الحالة بوصفها “معارضة بلا مشروع دولة”، حيث ساد الاعتقاد بأن مجرد تغيير الرؤوس سيؤدي تلقائياً إلى الديمقراطية، متجاهلين أن الدولة بناء ثقافي وقيمي قبل أن تكون صناديق اقتراع.
ما وُلد كـ “حل تقني” لتبديد مخاوف المكونات في مؤتمرات لندن وصلاح الدين، تحول بعد عام 2003 إلى “قدر محتوم”. لقد نُظر إلى العراق كمجرد “موزاييك” من المكونات المتصارعة، وهو تصور باركته الإدارة الأمريكية التي حملت معها ما يسميه السوسيولوجي الراحل “فالح عبد الجبار” بـ “ديمقراطية المكونات”. هذا التصور لم يكتفِ بتقسيم المناصب، بل حوّل الدولة برمتها إلى “سرير محاصصة” قلق. وبما أن العراق دولة تعتمد كلياً على عوائد النفط، فقد تحولت الوزارات – بفعل غياب المشروع الاقتصادي المنتج – إلى “إقطاعيات ريعية” تُستخدم لتوظيف الأنصار وتوسيع شبكات “الزبائنية”، مما أدى إلى تضخم القطاع العام وظهور جيوش من الموظفين دون إنتاجية حقيقية.
إن الاختبار الذي فشلت فيه رؤية المعارضة هو العجز عن بناء “دولة الكفاءة” بدلاً من “دولة الموالاة”. فبدلاً من أن تكون المؤسسات مرافق عامة، تحولت إلى “غنائم” تتقاسمها القوى التي كانت بالأمس تطالب بالعدالة. يرى المنظرون السياسيّون أن هذه “الكلبتوقراطية” (حكم اللصوص) لم تكن صدفة، بل كانت نتيجة طبيعية لغياب “العقد الاجتماعي” الذي كان يجب أن يُصاغ في سنوات المنفى. لقد استُبدلت الأيديولوجيا بالمنفعة، والمشروع الثقافي بالخطاب التحريضي، مما جعل الدولة تعيش حالة من “التخبط الاستراتيجي” الذي استمر لأكثر من عقدين.
اليوم، ونحن نتأمل مسيرة الـ 22 عاماً الماضية، ندرك أن “العلاج” الذي اقترحته المعارضة في جبال الشمال تحول إلى “سجن أبدي”. المحاصصة التي وُلدت لحماية الهويات، أصبحت هي العائق الأكبر أمام بناء الدولة الحقيقية. إنها قصة نظام وُلد في لحظة “ارتباك فكري”، ليعلن أن الدول لا تُبنى بـ “القسمة الطرحية” للموارد، بل بـ “الجمع الوطني” للوعي. هذه المراجعة المريرة تقودنا إلى حلقتنا الأخيرة، حيث سنحاول البحث عن “المخرج” من هذا الانسداد التاريخي: هل لا يزال بالإمكان استعادة الدولة من براثن “سرير المحاصصة”؟


