الاستبطان الأيديولوجي

الاستبطان الأيديولوجي
الاستبطان منهج نفسي وفلسفي يعني تأمل الذات من قبل الفرد, أي ملاحظة المرء لباطنه أو مطالعته لنفسه، حيث يقوم الفرد بفحص أفكاره، ومشاعره، ودوافعه الشعوريّة بدقة....

الاستبطان منهج نفسي وفلسفي يعني تأمل الذات من قبل الفرد, أي ملاحظة المرء لباطنه أو مطالعته لنفسه، حيث يقوم الفرد بفحص أفكاره، ومشاعره، ودوافعه الشعوريّة بدقة، وهو أداة مبكرة لتحليل الخبرة الذاتيّة وفهم الحالات العقليّة, بحيث يجعل من هذا الفرد وقيمه مرجعيّة لسلوكياته وطريقة تفكيره.

والاستبطان خاضع لعلم النفس وبالتالي إمكانيّة تحويل الخبرة النفسيّة الداخليّة إلى موضوع قابل للدراسة، وفهم كيفيّة استجابة الشخص للمنبهات أو الأسئلة التي توجه له للحصول على تقارير دقيقة قابلة للمقارنة تتعلق بحالة الاستبطان, إذا ما كانت الاجابات التي يقدمها الخاضع لهذه المنبهات أو الاسئلة الموجهة له صادقة ومنطقيّة, وهنا يمكن تغيير حالة الفرد الذهنيّة السلبيّة التي أنتجها الاستبطان.

الاستبطان الأيديولوجي:

يعتبر الاستبطان الأيديولوجي برأي من القضايا السلبيّة أو الخطيرة على حياة الفرد والمجتمع, وخاصة إذا كانت هذه الأيديولوجيا التي استبطنها أو تمثلها فرد او كتلة اجتماعيّة ذات طابع سكوني مغلق, أو امتثالي استسلامي, ترفض الحركة والتبدل والتطور والانفتاح على قضايا العصر ومراعاة خصوصيات المجتمع. وبالتالي استطاعت هذه الأيديولوجيا في المحصلة أن تتحكم بكل وعي الإنسان وسلوكياته

إن الاستبطان الأيديولوجي في صيغته السلبيّة, يتمثل في اعتناق المشاريع الفكريّة الكبرى, التي يعتقد معتنقوها بأنها وحدها من يمتلك الحقيقة, وعلى الآخرين ضرورة تبنيها فكريّاً وسلوكيّاً, والعمل ليس على تطبيقها فحسب, بل العمل على نشرها وتعميمها بأيّة وسيلة متاحة, حتى ولو استخدم العنف في ذلك. وهذا ما وجدناه مع الفاشيّة والنازيّة في منتصف القرن الماضي, اللتان أدتا إلى قيام الحرب العالميّة الثانية, وما تركته من دمار مادي ونفسي وأخلاقي على حياة محتمعات العديد من الدول التي دخلت الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر. وكذا الحال تجلت حالة الاستبطان الجماعي مع ظهور الشيوعيّة وما تركته من صراعات وحروب باردة وساخنة, دفعت الدول والمجتمعات إلى الذهاب نحو التسلح بدل الذهاب إلى التنمية بكل أبعادها للفرد والمجتمع, ثم جاءت أيديولوجيا النظام العالمي الجديد وحالات استبطانه أو نمثله من قبل الفرد في أوربا والكثير من دول العالم, إن كان من خلال الوصول إلى قناعات فكريّة تتعلق بموت الإله, أي الدين, أو الانغماس في عالم الغريزة على حساب العقل, تحت شعارات الحريّة الفرديّة التي تمظهرت في الزواج المثلي أو التحولات الجنسية, أو الانغماس في عالم اللذّة والغريزة, الأمر الذي أدى إلى حالة التذرير في المجتمعات, والتفرد وتحطيم الكتلة الاجتماعية, ونشر كل ما سمي بقيم ما بعد الحداثة.

أما الأكثر خطورة في حالة الاستبطان الفردي والجماعي فهي حالة الاستبطان الديني في صيغته الجهاديّة الداعية إلى الحاكميّة, فالخطورة هنا ليست في تبني فكرة أن (الحاكميّة لله) بناء على نص ديني دخل فيه المتشابه وأحاديث موضوعة تخالف النص القرآني ذاته, إلى حد أقصي بسببه كل ما يؤمن بحريّة الإنسان ومكانة عقله واحترام قناعاته, بل الخطورة كمنت غالباً بتلك الرؤى والأفكار التي ظهرت تحت مسميات أحاديث وأقوال أئمة وفقهاء, وصلت إلى درجة التقديس من حيث حمولتها المعاديّة للمختلف وضرورة محاربته وإقصائه, بل وحتى قتله إن اقتضت الحاجة, وهذا الاستبطان لهذه الأفكار وجدناها عند الكثير من فصائل الإسلام لسياسي والجهادي في تاريخنا المعاصر, وخاصة عند الأفراد الذين مسحت عقولهم واستبطنوا آراء جهاديّة أوصلتهم إلى مسألة تفجير أنفسهم حبا وتأكيداً لما استبطنوه من تلك الرؤى والأفكار والمعتقدات التي تخرج عن جوهر الدين ذاته.

هكذا نرى من خلال عرضنا البسيط هذا لمسألة الاستبطان الأيديولوجي, كيف حلت الفوضى واللامعقول في عالم راحت تحكمه المصالح الأنانيّة الضيقة المشبعة بالغريزة وغياب كل ما هو عقلاني وتنويري يحترم الإنسان وجوهره الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *