في زمنٍ تكشفت فيه الوجوه، وبانت فيه النوايا، وما نشاهده اليوم من تكالب قوى الاستكبار العالمي على الأمة الإسلامية، ولاسيما الحلف الصهيو-أمريكي الذي يرمي بثقله العسكري والمادي لإخضاع الشعوب الحرة، نرى بأم الأعين كيف أنَّ هذه القوى المادية المتغطرسة تعتمد على الحديد والنار، وتظن بغرورها أنَّ الترسانات العسكرية كفيلة بتركيع أصحاب الحق. إنَّهم يبنون حصونهم الحديثة، ويحتمون خلف تكنولوجيا يظنونها مانعتهم من بأس الله، متناسين أنَّ في هذه الأمة رجالًا لا يعتمدون على قوة السلاح فحسب، بل يستمدون بأسهم من قوة العقيدة، ومن إرثٍ إلهي عظيم توارثوه عن آل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين.
وفي خضم هذه المواجهة المصيرية، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كحصنٍ منيع للمقاومة، لا لكونها تمتلك القدرات العسكرية المتطورة وحسب، بل لأنَّها استطاعت أنْ تمزج بين التقنية الحديثة والروح العقائدية العميقة. وإنَّ من أبلغ صور هذا الامتزاج، وأشدها وقعًا على قلوب الأعداء قبل حصونهم، هو اختيارها الموفق والمدروس لأسماء صواريخها وعملياتها العسكرية، والذي يدل دلالة قاطعة على مدى عمق احترامها، وتقديسها، واستلهامها من مباني الدين الحنيف وسيرة المعصومين عليهم السلام.
فلو تأملنا قليلًا في إطلاق اسم “خيبر شكن” (كاسر خيبر) على أحد أعتى صواريخها الباليستية، لوجدنا أنَّ الأمر يتجاوز حدود التسمية العسكرية أو الحرب النفسية البسيطة. إنَّه استحضارٌ حيٌ لروحِ إمامنا وأميرنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) في ساحات الوغى الحديثة. فالصهاينة اليوم، كما أسلافهم في خيبر، ظنوا أنَّ حصونهم، سواء أكانت تتمثل في “القبة الحديدية” أم “مقلاع داود” أم غيرها من المنظومات، ستعصمهم من غضب المقاومين. فجاء الرد من أبناء علي، ليقولوا لهم: إنَّ اليد التي اقتلعت باب خيبر في الماضي، قد استنسخت اليوم في عقول وسواعد مجاهدي الجمهورية الإسلامية، ليصنعوا صاروخًا يحمل اسم “كاسر خيبر”، يدك حصونهم الحديثة ويحيلها إلى هباء، في رسالة واضحة مفادها أنَّ صراعنا معكم هو امتدادٌ لصراع الحق المتمثل بمحمد وعلي (صلوات الله عليهما وآلهما) ضد الباطل المتأصل فيكم.
ولا يقف الاستلهام العقائدي عند هذا الحد، بل يتجلى بأبهى صوره في تسمية العمليات الكبرى، كعملية “الوعد الصادق”. فهذا الاسم لم يُختر عبثًا من قواميس العسكرة الغربية، بل نُحت من آيات القرآن الكريم ومن صميم الإيمان بالوعد الإلهي بالنصر للمستضعفين. إنَّهم حين أطلقوا على ضرباتهم الموجعة لعمق الكيان الصهيوني اسم “الوعد الصادق”، كانوا يعلنون للعالم أجمع أنَّ هذه الصواريخ والمُسيرات لا تنطلق بقرار سياسي مجرد، بل تنطلق مصداقًا لقوله تعالى في نصرة المظلومين ودحر المعتدين. وهو اختيار يعكس مدى ذوبان القيادة الإيرانية في القرآن الكريم، واعتقادها الراسخ بأنَّ الله لا يخلف الميعاد، وأنَّ الكيان الصهيوني إلى زوال حتمي بوعدٍ من السماء قبل أنْ يكون بوعدٍ من الأرض.
إنَّ هذا الربط المقدس بين الأداة العسكرية والتاريخ الديني، يوضح لنا لماذا يفشل الجيش الأمريكي والصهيوني أمام محور المقاومة. فهم يقاتلون بلا عقيدة، وبلا هدف سوى الهيمنة والنهب، وأسماء عملياتهم وأسلحتهم مستوحاة من ثقافة القتل والدمار والوحشية. أما أبناء محور المقاومة، بقيادة الجمهورية الإسلامية، فإنَّهم يقاتلون بعقيدة مستمدة من كربلاء ومن خيبر ومن بدر، كل صاروخ ينطلق يسبقه نداء “يا علي” و”يا زهراء”، وكل عملية تُنفذ هي سعيٌ نحو إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية بإدارتها لهذه المعركة الكبرى، وبدقة اختيارها لرموزها ومسمياتها، أنَّها لا تخوض حربًا ماديةً فقط، بل حربًا عقائدية تُحيي فيها سنن الأولين من الأئمة الأطهار. فعندما يسمع الصهيوني أو الأمريكي اسم “خيبر شكن” أو “الوعد الصادق”، فإنَّ الرعب الذي يدب في قلبه ليس من وزن الرأس الحربي المتفجر فحسب، بل من ثقل التاريخ، ومن حتمية الهزيمة أمام أمةٍ حوّلت تاريخها المقدس إلى قوة نارية حاضرة في الميدان.
وعليه، إنَّ أعداء هذه الأمة لن يفهموا أبدًا سر قوة هذه الصواريخ؛ لأنَّهم ينظرون إلى هياكلها المعدنية، بينما يغفلون عن الروح العلوية التي تسري فيها. وطالما أنَّ هنالك أمة تتنفس من عبق آل بيت النبوة، وتستلهم مسميات قوتها من قادتها الشهداء والأئمة الأطهار، فإنَّ الهزيمة لن تعرف طريقًا إليها، وسنبقى نردد بقلوب تملؤها السكينة والإيمان، ما قاله سيد المقاومة الشهيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه: قطعًا سننتصر.


