نصيحتي للإعلام العربي الفاشل أن يستمر بالكذب

نصيحتي للإعلام العربي الفاشل أن يستمر بالكذب
ينتقد تواطؤ الإعلام المضلل مع جمهور يفضل الوهم، ما يكرس وعيًا زائفًا ويُبقي الفشل مستمرًا، مؤكدًا أن كسر هذه الدائرة يتطلب وعيًا نقديًا يحوّل المتلقي من مستهلك سلبي إلى فاعل واعٍ....

قد تبدو هذه النصيحة صادمة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها توصيف ساخر لواقع مأزوم أكثر مما هي دعوة حقيقية للاستمرار في التضليل. فالإعلام الذي اعتاد تزييف الوقائع وقلب الحقائق لم يعد مجرد ناقلٍ مشوّهٍ للأحداث، بل أصبح شريكًا في صناعة وعيٍ زائف، يجد له سوقًا رائجة لدى شريحة من المتلقين الذين يفضّلون الوهم على المواجهة.

المتلقي العربي، في حالات كثيرة، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يريحه نفسيًا، حتى وإن كان كذبًا صريحًا. يميل إلى الخطاب الذي يعفيه من المسؤولية، ويمنحه مبررات جاهزة للفشل، ويحمّله دائمًا للآخر: للمؤامرة، للظروف، للقدر، لأي شيء سوى الذات. وهنا يجد الإعلام الفاشل فرصته الذهبية، فيقدّم له ما يشتهي سماعه، لا ما يجب أن يعرفه.

هذا التواطؤ غير المعلن بين إعلامٍ مضلِّل وجمهورٍ متلقٍ للهروب، خلق بيئة خصبة يستمر فيها الفشل ويتكاثر. فالفاشل لا يمكن أن يزدهر إلا في أوساطٍ لا تُحاسب، ولا تسأل، ولا تدقق. بيئة يغيب فيها الوعي النقدي، ويُستبدل بالتصفيق الأعمى أو الرفض الغريزي. وهكذا، يصبح الكذب سلعة، والجهل سوقًا، ويغدو التضليل صناعة قائمة بذاتها.

ليس هذا المشهد وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لتاريخ طويل من تغييب الوعي وتدجين العقول. في الماضي كما في الحاضر، كان الكذب يجد دائمًا من يروّجه ومن يستهلكه. لكن الفارق اليوم أن الأدوات أصبحت أكثر تطورًا، والانتشار أسرع، والتأثير أعمق، مما يجعل الخطر مضاعفًا.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذا الواقع قدرٌ محتوم. فالتاريخ ذاته يُعلّمنا أن كل سلعة زائفة، مهما راجت، لا بد أن يأتي عليها زمنٌ تبور فيه. قد يطول الوقت، وقد تشتد المعاناة، لكن الوعي حين يبدأ بالتشكل، ولو ببطء، فإنه يُسقط أقنعة كثيرة، ويُفقد الكذب بريقه.

حتى ذلك الحين، سيظل لهذه البضاعة من يشتريها، وسيبقى الإعلام الفاشل يجد منابر يعتليها، وجماهير تصفق له، ما دام الهروب أسهل من المواجهة، وما دامت الحقيقة مُكلفة. ولهذا، فإن حال هذه الأمة لن يتغير ما لم يتغير هذا التواطؤ الصامت، وما لم يتحول المتلقي من مستهلكٍ سلبي إلى ناقدٍ واعٍ.

إن المشكلة ليست في الإعلام وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالاستمرار. فإذا أردنا تغيير النتيجة، فلا بد من كسر هذه الدائرة: إعلام يكذب، وجمهور يصدّق لأنه يريد أن يصدّق. عندها فقط، قد تتحول النصيحة الساخرة إلى ذكرى، ويصبح الصدق هو القاعدة، لا الاستثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *