في عالمٍ يُفترض أنه بلغ ذروة التمدّن، لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والدبابات، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر استهداف العقول التي تصنع القوة وتمنحها معناها.
اغتيال العلماء والمفكرين لم يعد حدثاً استثنائياً، بل تحوّل إلى أداة ضمن ترسانة الصراع الدولي حيث تُستخدم ببرودٍ استراتيجي وتُبرَّر بخطابات الأمن القومي.
مقتل شخصيات ذات وزن فكري وسياسي، مثل المفكر علي لاريجاني، لا يمكن قراءته فقط كحادثة أمنية عابرة بل كجزء من نمط أوسع يستهدف “العقل” بوصفه أحد أهم مصادر القوة في الدول.
فالرجل لم يكن مجرد سياسي، بل نموذجاً مركّباً جمع بين المعرفة الفلسفية والخبرة المؤسسية وهو ما يجعله هدفاً في صراع لا يكتفي بإضعاف القدرات العسكرية، بل يسعى إلى ضرب البنية الفكرية التي تنتج القرار.
خلال الحرب الباردة كان الصراع محكوماً بمنطق الردع النووي ، أما اليوم فقد تطوّر إلى ما يمكن تسميته بـ”حروب ما دون الحرب” حيث تلعب العمليات الاستخبارية والاغتيالات الدقيقة دوراً مركزياً.
في هذا السياق يُنظر إلى العلماء والمفكرين بوصفهم “أهدافاً استراتيجية” لأن غيابهم قد يبطئ مشاريع كبرى أو يربك منظومات صنع القرار.
لكن هذا التحول يكشف أيضاً عن أزمة عميقة وهي عجز القوى الكبرى عن فرض إرادتها بوسائل تقليدية فلجأت إلى أدوات أكثر خفاءً لكنها أكثر خطورة على النظام الدولي.
المفارقة الصارخة لا تكمن فقط في وقوع هذه الاغتيالات بل في ردود الفعل عليها. فالعالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان وسيادة القانون يقف غالباً صامتاً – أو متواطئاً – حين تكون الضحية خارج الفلك السياسي المهيمن.
هذا الصمت ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية ويعيد طرح سؤال جوهري وهو : هل ما زالت هناك معايير ثابتة أم أن القوة وحدها هي التي تحدد ما هو “مشروع” وما هو “إرهاب”؟
حين كتب إيمانويل كانت عن “نقد العقل” كان يؤسس لمرحلة تاريخية جعلت من التفكير الحر أساساً للتقدم الإنساني لكن ما نشهده اليوم هو انقلاب على هذا الإرث؛ حيث لم يعد العقل قيمة في ذاته بل أداة تُستخدم وتُستهدف وفقاً لمعادلات القوة.
إن اغتيال المفكرين لا يعني فقط خسارة أفراد بل يعكس تراجعاً في مكانة الفكر نفسه وحين يصبح العالم أو الفيلسوف هدفاً مشروعاً فإن الرسالة الضمنية هي أن المعرفة لم تعد محمية وأن القوة تتقدم على الحقيقة.
لا يمكن تجاهل دور القيادات السياسية في تكريس هذا المسار ، فخطابات مثل تلك التي ارتبطت بـ دونالد ترامب، والتي اتسمت بالنزعة الصدامية وتهميش المؤسسات الدولية ساهمت في إعادة تعريف حدود المقبول في العلاقات الدولية ولم تعد القواعد تُكسر في الخفاء فقط بل أصبح خرقها يُقدَّم أحياناً كإنجاز.
وهنا تكمن الخطورة حينما تتحول السياسة من إدارة للمصالح ضمن إطار قانوني وأخلاقي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات فإن العالم يقترب من مرحلة “فوضى منظمة” لا ضوابط حقيقية لها.
اغتيال شخصية فكرية أو علمية ليس مجرد حدث أمني بل هو إعلان عن مرحلة جديدة
مرحلة تُستباح فيها النخب الفكرية وتتراجع فيها قيمة المعرفة ويُعاد فيها تعريف الشرعية وفق ميزان القوة.
إنه انتقال من صراع على النفوذ إلى صراع على “من يملك الحق في التفكير والتأثير”.
ما جرى من اغتيال للشهيد المفكر علي لاريجاني ليس حادثة معزولة بل مؤشر على أزمة أعمق يعيشها النظام الدولي أزمة قيم قبل أن تكون أزمة مصالح.
فالعالم الذي يسمح باغتيال العقول، ويبرر ذلك أو يصمت عنه إنما يعلن – بشكل غير مباشر – تخليه عن أحد أهم إنجازاته: حماية الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً.
فأي عالمٍ هذا الذي لم يعد يرى في اغتيال الفكر جريمة تستدعي الغضب؟


