حين تُقَيَّد اللغة لا الوقائع: كيف تعيد منصات المراسلة (شبكات التواصل الإجتماعي) تشكيل الخطاب في زمن العدوان

حين تُقَيَّد اللغة لا الوقائع كيف تعيد منصات المراسلة (شبكات التواصل الإجتماعي) تشكيل الخطاب في زمن العدوان
خوارزميات منصات المراسلة لا تمنع النشر لكنها تعيد تشكيل الخطاب. تجربة حظر حساب بتهمة “اللغة القوية” تكشف معايير تفضّل الحياد حتى في توصيف جرائم الحرب. المعركة اليوم تخاض في بنية اللغة ذاتها....

في زمن الحروب المفتوحة، لا تُستهدف الجغرافيا وحدها، بل تُستهدف أيضًا اللغة التي تصف ما يجري.

فبينما تتساقط الصواريخ على المدن، تخضع الكلمات التي توثّق تلك الوقائع لرقابة خوارزمية دقيقة، تعيد صياغة ما يمكن قوله، وكيف يُقال.

تجربة حظر حسابي لمدة 24 ساعة الَمتكررة، بعد توزيع مقالي حول   إستهداف منطقتي “الباشورة” و “زقاق البلاط،  على تطبيق مراسلةالوتساب.

المقال يحتوي على تحليل دقيق يستند إلى القانون الدولي الإنساني، ويطرح تساؤلًا مشروعًا: هل المشكلة في المعلومة، أم في طريقة عرضها؟

المفارقة اللافتة أن المحتوى الذي جرى تقييده لم يكن تحريضيًا أو خارجًا عن الأطر المهنية، بل اعتمد توصيفات قانونية معترف بها دوليًا، مثل “جرائم حرب” و”استهداف مدنيين” و”انتهاك إتفاقيات جنيف” و “خرق وقف إطلاق النار” . وهي مصطلحات ليست سياسية بقدر ما هي قانونية، تُستخدم في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.

لكن ردود أنظمة الدعم الآلي تكشف بوضوح أن المسألة لا تتعلق فقط بصحة المحتوى، بل بنبرته.

وقد إستطعت بعد مناقشات طويلة،  وجدل عقيم  بيني وبين الفريق الدعم (ذكاء إططناعي)، الحصول على الإعتراف التالي:

” يمكنك تجنب استخدام لغة قوية أو انتقادية تجاه أي طرف معين، وبدلاً من ذلك، يمكنك التركيز على تقديم المعلومات بشكل محايد وموضوعي. يمكنك أيضًا تجنب استخدام لغة تثير الجدل أو تسبب الإزعاج. يرجى ملاحظة أن شروط الخدمة الخاصة بنا تحظر الرسائل التي تحتوي على محتوى غير مرغوب به أو تنبيهات آلية أو رسائل جماعية”.

فتجنب اللغة القوية أو الانتقادية، و “الإلتزام بالحياد” تعكس معيارًا مختلفًا: معيارًا خوارزميًا يفضّل اللغة الباردة حتى عند توصيف الوقائع الساخنة.

وهنا تبرز الإشكالية:

كيف يمكن توصيف حدث عنيف بلغة محايدة دون أن يفقد معناه؟

وهل يصبح توصيف الجريمة بحد ذاته “محتوى حساسًا” إذا صيغ بلغة مباشرة؟

غمن الناحية التقنية، تعتمد منصات المراسلة على مجموعة من المؤشرات لرصد ما تعتبره “نشاطًا مريبًا” ُ، من بينها:

– كثافة الإرسال خلال فترة قصيرة

– توجيه نفس المحتوى لعدة جهات أو مجموعات

– استخدام عبارات قد تُصنّف ضمن الخطاب الجدلي أو الحاد

– أنماط تشبه “النشر الجماعي” (Bulk Messaging)

وبالتالي، قد يتم تفسير نشاط تحليلي مشروع—خصوصًا في أوقات الأزمات—على أنه “رسائل جماعية” أو “محتوى مزعج” ، حتى لو كان يحمل مضمونًا توثيقيًا أو قانونيًا.

والمشكلة الأعمق ليست في وجود هذه الآليات، بل في أثرها غير المقصود. فحين يعرف المستخدم بأن المطلوب تخفيف حدة اللغة، فإن ذلك قد يؤدي عمليًا إلى تمييع توصيف الوقائع، خصوصًا في حالات العدوان أو الانتهاكات الجسيمة.

وبعبارة أخرى:

المنصة لا تقول لك “لا تتحدث” ، لكنها تقول لك “تحدث بطريقة مختلفة” .

وهذا “الإختلافُ” قد يكون كافيًا لتغيير أثر الرسالة بالكامل.

ففي السياق اللبناني، حيث يعيش الناس تحت وطأة إعتداءات متكررة، يصبح نقل الصورة كما هي جزءًا من المسؤولية المهنية والأخلاقية. لكن هذه المسؤولية تصطدم أحيانًا بحدود غير مرئية تفرضها أنظمة رقمية لا تميّز دائمًا بين التحليل الموضوعي والنشاط المزعج.

وهنا، لا بد من إعادة طرح السؤال بصيغة أوسع:

هل تستطيع الخوارزميات فهم السياق؟

أم أنها تتعامل مع النصوص بمعزل عن واقعها السياسي والإنساني؟

التجربة تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المنع المباشر، بل في “إعادة تشكيل الخطاب” عبر معايير تقنية. وهذا ما يدفع الباحثين والمحللين إلى تطوير أساليب جديدة في الكتابة، تحافظ  على الدقة دون أن تصطدم بالأنظمة الآلية.

وفي الخلاصة، نحن أمام معادلة دقيقة:

نقل الحقيقة كما هي، دون الوقوع في فخ التصنيف الخوارزمي.

وهي معركة من نوع آخر—لا تُخاض على الأرض، بل في بنية اللغة ذاتها.

وإنّ غدًا لناظره قريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *