
محافظة كانت هادئة… وصارت ساحة صراعات
في ميسان تتداخل الأسئلة الكبرى مع التفاصيل التي يصعب تجاهلها، فالمحافظة التي كانت تضج بالهدوء وتعرف بطيبة أهلها وأصالة المجتمع فيها، أصبحت اليوم ساحة تتنازعها العشائر المنفلتة التي لا تمت للدين أو الأعراف بأي صلة.
وتحوّل النسيج الاجتماعي المتماسك إلى ميدان مفتوح تتصارع فيه القوى المحلية، كلٌّ يحمل سلاحه ونفوذه دون رقيب، بينما يقف المواطن بين واقع يزداد قسوة كل يوم، وسلطة عاجزة عن ضبط الإيقاع الأمني الذي ينهار شيئاً فشيئاً.
سلاح مجهول ونفوذ بلا ضوابط
فالسلاح الموجود في ميسان لا يعرف أحد مصدره، ولا الجهة التي تديره أو تموّله، حتى بات جزءاً من الحياة اليومية.
ومع كل حادثة نزاع عشائري تتحول المدينة إلى كتلة خوف، وتشتعل شرارة جديدة تزيد منسوب التوتر والقلق.
ويعود السؤال الجوهري دائماً:
من يمسك بزمام الأمور؟ ومن يمتلك القدرة الحقيقية على إعادة ميسان إلى صورتها الأولى؟
حكومة محلية غارقة في الحسابات الضيقة
إن المسؤولية لا يمكن اختزالها في جهة واحدة، إلا أن الحكومة المحلية تبدو غارقة في حسابات سياسية ضيقة تُضعف قراراتها، وتجعل إجراءاتها الأمنية مترددة وغير حاسمة.
فهذه الأجهزة تقف بين ضغوط العشائر ونفوذ السلاح المنفلت، فلا تستطيع المواجهة المباشرة، ولا تملك القدرة على فرض القانون بلا مجاملة.
وبهذا يتحول الحكم المحلي إلى طرف متردد، يخشى الصدام أكثر مما يسعى لإعادة الاستقرار.
الحكومة الاتحادية… إجراءات خجولة لا تعالج الأزمة
أما الحكومة الاتحادية، فهي حتى الآن تكتفي بإجراءات خجولة، لا ترقى إلى مستوى أزمة تتنامى يوماً بعد آخر.
ورغم معرفتها بتعقيد المشهد في ميسان، إلا أن تدخلاتها غالباً تأتي متأخرة، أو لا تتجاوز الزيارات الميدانية والوعود الإعلامية.
وبغياب موقف حاسم، يصبح السلاح المنفلت أقرب إلى “سلطة موازية” تقرر مصير المحافظة أكثر مما تفعله الدولة نفسها.
المواطن… الضحية الأولى للفوضى
وبين هذا كله يجد المواطن نفسه يدفع الثمن الأكبر، إذ تتعطل الأعمال وتتراجع الخدمات، ويخشى الأهالي على أبنائهم من الوقوع في قلب صراع لا علاقة لهم به.
وتزداد الخسائر الاجتماعية وتكبر الجراح مع كل نزاع، لتترك آثاراً عميقة على العائلات، خصوصاً في المناطق التي تشهد اشتباكات متكررة.
فالناس باتوا يشعرون أن أمنهم مهدد في أي لحظة، وأن حياتهم عرضة للاضطراب دون سابق إنذار.
ميسان تحتاج قراراً شجاعاً يعيد للدولة حضورها
والحقيقة أن ميسان تحتاج إلى قرار شجاع يعيد للدولة هيبتها ويضع حداً لهيمنة السلاح، ويمنح المؤسسة الأمنية القدرة على فرض القانون بلا مجاملة ولا تردد.
فعودة ميسان إلى ما كانت عليه تبدأ من إرادة سياسية تقدّم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وتتطلب تعاون المجتمع نفسه، حتى لا تبقى المحافظة أسيرة فوضى تحاصرها من كل جانب.
فميسان تستحق أن تستعيد أمنها وطمأنينتها وصورتها التي عرفها الجميع، لا أن تكون ساحة لصراعات لا تهدأ ولا يجد فيها القانون مكانه الطبيعي.
حكومة ميسان في مواجهة سلطة أقوى من الدولة
بينما تصارع حكومة ميسان لبسط نفوذها دون جدوى، لأن من يملك السلاح المنفلت يملك صلاحية أقوى من قوة الدولة نفسها، ويستطيع فرض إرادته بالقوة لا بالقانون.
لذلك لا بد من صولة قوية تعيد أمجاد ميسان بعدما انحرفت عن مسارها، وأصبحت محافظة هجرها أهلها بسبب النزاعات العشائرية التي تندلع بين الفترة والأخرى، مسببة خسائر اجتماعية واقتصادية ونفسية داخل المحافظة.


