الشهداء رواد النصر

الشهداء رواد النصر
لَا تَهُونُ التَّضْحِیَةُ بِالقَادَةِ إلَّا إذَا صَارَتْ شَهَادَةً تُحَرِّکُ الأُمَّةَ وَتُعِیدُ تَرْتِیبَ مَعَادِلَاتِهَا. فَاسْتشْهَادُ خَامِنَئِی لَمْ یُضْعِفْ إیرَانَ، بَلْ أظْهَرَ تَمَاسُکَهَا وَفَشَلَ المُحَاوَلَاتِ، مَعَ إمْکَانِیةِ تَغْیِیرِ الفَتَوَى النَّوَوِیةِ لِیَکُونَ رَدْعًا جَدِیدًا....

مما لا شك فيه ان نهضة الامة وتحقيقها للثورة عبر التاريخ الإسلامي، لا يتوقف على كبر حجم جيشها فحسب، انما بوجود المبدأ الصالح الصحيح وفهم الامة لهذا المبدأ ومن ثم ايمانهم به، وهذا المبدأ يتمثل بالدين الإسلامي الذي لا يزال وسيبقى اقوى ما يكون على تحمل أعباء القيادة المبدئية وتوجيه وجهتها ، وان القادة الشهداء خير من مثلوا والتزموا بهذا المبدأ وضحوا بحياتهم دفاعا عن مبادئهم وقضاياهم العادلة، الأمر الذي جعل استشهادهم  يتحول من مجرد حدث فردي إلى ظاهرة ذات أبعاد سياسية وجغرافية واسعة وتترك اثارا عميقة في تشكيل الوعي المجتمعي للشعوب، فضلا عن إعادة ترتيب المعادلات الجيوسياسية للدول .

في هذا السياق، ان استشهاد القادة يعزز الشعور بالانتماء الايماني ومن ثم إعادة إنتاج الخطاب السياسي المرتبط بالهوية والمقاومة والسيادة لامة الشهيد ، وعليه ، تتحول شخصية الشهيد إلى رمز انساني يتجاوز حدود الزمن والمكان، ويصبح عنصرا فاعلًا في تشكيل الوعي الجغرافي السياسي للأمم، وهذا الذي حصل مع استشهاد المرشد الأعلى (علي الخامنئي)  في ايران، حيث برزت موجات من الحراك الشعبي مؤيدة للنظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليس في الجغرافية الإيرانية فقط ، بل في العديد من الدول العربية والإقليمية ، وبهذا تتجلى مصداقية المقولة: استشهاد القادة وقود لتحريك الامة واكمال للمسيرة.

وعلى غرار ما يشهده معظم الدول من الانهيار السريع وانتشار الفوضى عند سقوط قادتها، لم تنهار مؤسسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية باستشهاد المرشد الأعلى وعدد كبير من القيادات، وانما حصل العكس تماما، اذ عمدت القيادة في إيران بالرد على الضربات الامريكية والإسرائيلية تحت مسمى ” الوعد الصادق “بعد وقت قصير من الاستهداف والهجمات العسكرية لطهران في 28 فبراير/ شباط (2026م)، بل واعادت ترتيب صفوفه.

  من الجدير بالذكر، ان ‏الشعوب على نوعين:

النوع الأول: شعبٌ إذا قتل العدوّ قيادته تفرّق جمعه وتشتّت رأيه وضعفت إرادته.

النوع الثاني: شعبٌ إذا استفزّه العدوّ بقتل قيادته، تحوّل أفراده إلى حملة المسؤولية وارتقت فيهم روح القيادة والوعي والشجاعة.

اتساقا مع ما تقدم، ان غالبية الشعب الإيراني والذي يتجاوز عددهم 90 مليون نسمة، من الشعوب التي تصطف خلف قيادتها عندما تتعرض للاستهداف الخارجي متجاوزين بعض التحديات الداخلية سيما الاقتصادية منها.. ومن المعروف ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حالة صراع مع المحور الصهيوني الأمريكي منذ أكثر من 47 عام، ذلك الصراع المحوري بين المحورين.

نشير هنا، ان الصراع بين محور المقاومة والمحور الصهيوني الأمريكي في المنطقة، ليس صراعا على الارض او على المنصب او على حقل من حقول النفط او صراع مصالح …الخ، وانما الصراع صراع حضاري، المعركة الكبرى هي معركة القيم.. وكما كان الانتصار في المعركة العسكرية يتطلب الصبر والثبات والذكر الدائم لله والتوكل عليه والوعي والبصيرة والتسليم فإن الانتصار في معركة القيم يتطلب أضعاف ذلك.

وبالرجوع الى استشهاد المرشد الأعلى والاثار المترتبة لهذا الاستشهاد ، نذكر، من المفارقات ان الحكومات الأمريكية المتعاقبة  كانت تصرح : ان أمريكا ملزمة بحماية حكومات دول المنطقة بما فيه دول الخليج من الاخطار ومنها الخطر الإيراني ، الا ان هذه القواعد أصبحت تطالب بالحماية من دول المنطقة ،  لا بل اصبحت وجود هذه القواعد، تشكل خطرا على الدول التي طالبت بتواجدها ، وذلك بسبب الرد الإيراني الشرس بالعديد من المقذوفات الحربية لتلك القواعد، ومما ينبغي الإشارة اليه ، ان انشاء القواعد اتسعت كما ونوعا بعد حرب الخليج الثانية في عهد النظام العراقي السابق واجتياحه الكويت في 2اغسطس/ اب (1990م) ، فما كان من دول منطقة الخليج الا وان طالبت بالحماية الخارجية عن طريق القواعد الامريكية التي  استقرت في منطقة الشرق الأوسط  ، وبهذا ينسب للنظام السابق في العراق بانه كان سببا رئيسا  لفتح ابواب المنطقة بمصرعيها للتواجد الأجنبي .

كما نبين من الاثار المترتبة على الحرب الأمريكي الصهيوني ضد الجانب الإيراني الحالي، فقد كان من أبرز الأهداف الحرب القضاء على أصدقاء إيران وحلفاءها في المنطقة على حد تعبيرهم  ، الا انه يظهر من متابعة مستجدات الاحداث وجود حالة من التشتت لمعظم اصدقاء الجانب المذكور ،  بسبب عنصر المفاجأة في الرد الإيراني الشديد لتلك القواعد مما أربك حسابات هذه الدول هذا من جانب، ومن جانب اخر اتضح  لحكومات هذه الدول ، ان الوظيفة الأساسية لهذه القواعد حماية مصالح الكيان الصهيوني ، وليس الدول التي أقيمت فيها هذه القواعد كما تزعم وليس هذا فحسب ايضا، بل ان هذه القواعد تسعى اقناع هذه الدول بالانخراط في محور حماية الكيان ، ناهيك عن الاستنزاف المالي الذي لحق باقتصاديات هذه الدول. وعليه نجد اختلاف واضح وتباين وتشتت في مواقف الدول الحليفة للمحور الأمريكي.

ومن الذرائع الإسرائيلية الأخرى،  لشن الحرب على ايران ، ان السلطات الإيرانية تسعى الى انتاج السلاح النووي ، وتبرر لنفسها اغتيال قائد الثورة الإسلامية المرشد الأعلى ، انها تأتي في سعيها لمنع ايران من امتلاك أسلحة غير تقليدية تهدد إسرائيل ، الا انها في الحقيقة باغتيال المرشد قضى على من كان قد اصدر الفتوى بحرمة انتاج السلاح النووي في ايران ، وبالنتيجة انتهت الفتوى ، وعليه يرى العديد من المختصين في هذا الجانب ليس من المستبعد استحداث الفتوى بفتوى أخرى من البديل وهو المرشد الإيراني الجديد (مجتبى علي الخامنئي) فتوى تبيح امتلاك أسلحة رادعة غير تقليدية ، لان من سمات الفقه الشيعي ، مرونة الاستجابة للمتغيرات والتطورات العصرية .

مما تقدم، نقول ان استشهاد المرشد الأعلى في إيران، وان يتم تصديرها لشعوب العالم أنها انجاز في طريق السلام المزعوم التي تروج لها أمريكا والكيان الصهيوني في الشرق الأوسط والعالم، الا ان نتائجها لم تأتي كما خططت لها.

ان استشهاد القادة في طريق تحقيق المصالح الوجودية للامة، انتصار شخصي للشهيد وان كانت خسارة كبيرة للامة، وبهذا نستشهد للأمام علي (عليه السلام) عندما ضرب ضربة أدت الى استشهاده قال: فزت ورب الكعبة.

ولذا، بعد ان يقضي القائد نحبه شهيدا، لا بد ان يتوفر في الامة من يستلم الراية ويواصل المسيرة وبهذا يتجسد مصداق قوله تعالى في محكم كتابه العزيز (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) سورة الأحزاب/ الآية 23.

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *